دراسات ليوناردو دافينشي في علم التشريح: عبقرية بقيت في الظل
إن مجرد ذكر اسم ليوناردو دافينشي يُستحضر إلى الذهن عبقرية متفردة. نعرفه باعتباره موسوعيّ المعرفة، إذ امتدت اهتماماته بين علم الفلك، والجيولوجيا، والهيدرولوجيا (علم المياه)، والهندسة، والفيزياء. أما في فن الرسم، فإن لوحتيه الشهيرتين «الموناليزا» و«العشاء الأخير» تُعدّان من الروائع في تاريخ الفن. ومع ذلك، فإن إنجازا عظيما من إنجازاته، غالبا ما يظلّ في الظل، ألا وهو دراساته في علم التشريح البشري. وبعد أكثر من خمسمئة عام على وفاته، آن الأوان لإعادة الاعتبار لهذه الجهود.
يُعتقد أن ليوناردو وُلد في الخامس عشر من نيسان/ أبريل عام 1452 في قرية «أنجيانو» (Anchiano)، وهي قرية صغيرة قرب مدينة فينشي، بالقرب من فلورنسا في إيطاليا. كانت أمه فتاة قروية في السادسة عشرة من عمرها تُدعى كاترينا دي ميو ليبي(Catrina di Meo Lippi) وكان والده السير بييرو دافينشي، كاتب عدلٍ يبلغ من العمر ستة وعشرين عاما.
ولأنه وُلد خارج إطار الزواج الشرعي، لم يُتح للفتى ليوناردو سوى تعليم ابتدائي بسيط في القراءة والكتابة والحساب. كما حُرِم من أن يتولى وظيفة كاتب عدل مثل أبيه. غير أن هذه العقبة تحوّلت إلى نعمة، إذ فتحت أمامه أبواب الإبداع، وأطلقت له حريّة الغوص في عوالم الطبيعة، مُشبعا نهمه من المعرفة.
كان علم التشريح البشري واحدا من أبرز اهتماماته، وقد غُرس هذا الاهتمام في نفسه أثناء تلمذته في محترف أندريا دل فيروكيو (Andrea del Verrocchio) في فلورنسا، حيث كانت دراسة الجسد البشري بالنسبة للفنان، أمرا بالغ الأهمية لتحقيق دقة واقعية في التصوير الفني. تطلب إنجاز رسومات تشريحية مفصّلة مهارات تخطيطية متقنة، وقدرة على تمثيل الهياكل المدروسة بدقة. ومع تزايد شغف ليوناردو بعلم التشريح، غاص أعمق فأعمق في هذا العلم.
الرّواد
تعود جذور علم التشريح إلى الطبيب اليوناني جالينوس البرغامي (Galen of Pergamum) وهو طبيب وفيلسوف يوناني عاش في القرن الثاني الميلادي، اعتمد على تشريح الحيوانات لا البشر، الذي استقى معظم توصيفاته التشريحية من خلال تشريح الحيوانات، ودراسة إصابات المصارعين. لكنه لم يُجرِ أي تشريح لجسد بشري ـ إذ كان ذلك محظورا في زمنه ـ ولهذا جاء الكثير من استنتاجاته المنقولة من الحيوان إلى الإنسان خاطئة. لم يتقدّم الطب وعلم التشريح خطوة حقيقية إلا في القرن الرابع عشر، مع بداية ممارسة التشريحات المنهجية للجثث البشرية. وكان الرائد في ذلك الطبيب الإيطالي موندينو دي ليوتزي (Mondino de Liuzzi)، الذي مارس أول تشريح علني للجثث البشرية في جامعة بولونيا، ونشر عام 1316 أول نص تشريحي حديث بعنوان «تشريح جسم الإنسان» Anathomia Corporis Humani). كتاب شهير ألفه موندينو عام 1316، يُعد أول كتاب حديث في التشريح البشري في أوروبا، لكنه كان وصفيا أكثر من كونه مصورا. (المترجم).
كان هذا النص في معظمه وصفيا على غرار ما كتبه جالينوس، يفتقر إلى الرسومات التي تُعين على فهم البنية التشريحية. أما النصوص اللاحقة في القرنين الرابع عشر، وأوائل الخامس عشر، فقد تضمّنت بعض الرسومات، لكنها ظلّت بدائية وغير دقيقة. وهنا ظهر تميّز ليوناردو؛ إذ ارتقى بهذا العلم اعتمادا على مهاراته الرصدية الفائقة، ومعرفته العميقة بقواعد المنظور، والأهم من ذلك قدراته الفذّة في الرسم. فجاءت رسوماته التشريحية غير مسبوقة، حتى إنّ بعضها ـ مثل رسوماته لعضلات الذراعين أو لعظام الجمجمة ـ يكاد يضاهي ما نراه اليوم في كتب الطب الحديثة. ويقول كاتب سيرته جيورجيو فازاري (Giorgio Vasari) وهو رسام ومؤرخ إيطالي كتب سيرة فناني عصر النهضة: «إن ليوناردو كان من أوائل من أعادوا لعلم الطب مكانته، بفضل دراساته في ضوء تعاليم جالينوس، فكشف النور عن علم التشريح بعدما ظلّ غارقا في ظلام الجهل الدامس».
كان ليوناردو أول من قدّم دراسة مفصّلة عن العمود الفقري البشري، مُظهرا انحناءه الطبيعي ومُرقّما الفقرات بدقة. كما رسم وشرّح معظم عظام الجسد وعضلاته بتفصيل رائع، ودرس آلية عملها (الميكانيكا الحيوية).ولم يقف عند ذلك؛ فقد خصّص بحوثا دقيقة للقلب، جمع فيها بين الملاحظة والتجريب. استخدم قلب ثور ليفهم حركة الدم عبر الصمامات الأبهرية. صبّ شمعا مُذابا في تجاويف القلب فصنع قالبا شمعيا، ومنه أنشأ نموذجا زجاجيا، ثم ضخّ من خلاله ماء ممزوجا ببذور العشب ليظهر مسار التدفق. ومن هذه التجربة استنتج أن التدفّقات الدوّامية (Vortex-like flows) أي حركة السوائل في شكل دوّامة، هي التي تؤدي إلى إغلاق الصمامات عند كل نبضة قلب. بعد أكثر من 450 سنة، في عام 1968، أثبت العلماء صحة اكتشافه، باستخدام أصباغ وتقنيات الأشعة السينيّة. ثم في دراسة أجريت عام 2014، استخدمت تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI: Magnetic Resonance Imaging)، لتؤكد مرة أخرى أن تصوير ليوناردو لهذه التدفقات كان بالغ الدقة.
نقائص ليوناردو دافينشي
يُعتقد أن ليوناردو أجرى تشريحا لما يقارب الثلاثين جثة بشرية طوال حياته. جرت معظم هذه التشريحات في مستشفى سانتا ماريا نوفا في فلورنسا، ولاحقا في مستشفى سانتو سبيريتو في روما. وربما يُفسّر محدودية عدد الجثث المتاحة له بما وقع فيه من أخطاء في بعض نتائجه. كما تأثر ليوناردو كثيرا بكتابات جالينوس، التي وصلته من خلال نصوص موندينو دي ليوتزي (Mondino de Liuzzi) وكذلك من مؤلفات الطبيب والفيلسوف الفارسي ابن سينا (980 – 1037م)، صاحب كتاب «القانون في الطب». ولتعويض النقص في الأجساد البشرية، لجأ ليوناردو إلى تشريح الحيوانات كالكلاب والأبقار والخيول.
يتجلى هذا النهج بوضوح في دراسته للجهاز التناسلي عند الذكر والأنثى. فمثلا، اعتقد بوجود ثلاث قنوات في العضو الذكري للرجل: واحدة للمني، وأخرى للبول، وثالثة لما سمّاه «الروح الحيوانية». كما أن غدة البروستاتا غابت تماما عن رسوماته. أما الرحم، فقد صوّره على هيئة كُرة ـ وهي صورة استقاها من تشريحه للأبقار ـ وكذلك أخطأ في تصوير قناتي فالوب والمبيضين. ومع ذلك، أصاب في نقاط عديدة. فقد رسم بدقة وضع الجنين في الرحم، كما وصف تشريح الحبل السري على نحو صحيح. وأكّد أنّ الانتصاب في العضو الذكري يحدث نتيجة امتلاء الأجسام الكهفية بالدم، لا بفعل الهواء أو «الأرواح الحيوية»، كما زعم جالينوس.
ويبدو أن تشتت اهتماماته أسهم في بعض هذه الأخطاء أيضا؛ فقد كان قلقا، مفرط الفضول، كثير الملاحظات غير الممنهجة، وكثير الأعمال غير المكتملة. هذه الصفات دفعت بعض الباحثين المعاصرين إلى افتراض إصابته باضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه (ADHA: Attention Deficit Hyperactivity Disorder) وربما كان هذا الاضطراب سببا في حدّة فضوله وإبداعه الخارق في آن واحد. ورغم ما شاب أعماله من نقص، فقد سبقت دراساته التشريحية عصره بقرون، وبلغت مستوى يكاد يضاهي المعايير الحديثة. وربما كان من شأن هذا العمل أن يحظى بتقدير أعظم لو أنه جمعه ونشره في كتاب. كان قد خطّط لذلك بالفعل، ويُقال إنه كان يتعاون مع الطبيب وأستاذ التشريح في عصر النهضة مارك أنطونيو ديلا تورّي (Marc’Antonio della Torre) وهو طبيب وأستاذ تشريح في جامعة بافيا (1481 – 1511).
غير أن موت ديلا تورّي المبكر عام 1511 أجهض المشروع. وتوفي ليوناردو عام 1519 عن عمر ناهز السابعة والستين. وبينما نالت هباته الأخرى للعالم حظها الوافر من الاهتمام، ظلّت إسهاماته العظيمة في علم التشريح حبيسة الظلّ، وهي بلا شك تستحق اعترافا أوسع وتقديرا أكبر.
القدس العربي



