🔶خاص – هل فعلاُ لبنان يموت ببطء؟!.. قراءة في أرقام الديموغرافيا للعام 2024!

مع نهاية 2025 وعشية 2026، وفيما مواسم الأمل التي لا أي غلال اقتصادية أو سياسية أو حتى اجتماعية لها، فإنّ استعراضاً لأرقام الولادات والوفيات في لبنان خلال العام 2024، يؤكد أنّها لم تعد مجرّد مجرّد بيانات ديموغرافية، بل تحوّلت إلى مؤشّر خطير على تفكك مجتمع يعيش تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، العنف، الهجرة، والعدوان الإسرائيلي.
فبحسب إحصاءات المديرية العامة للأحوال الشخصية، سجل لبنان خلال 2024 ما مجموعه 26715 حالة وفاة، قد يكون ثلثها من “عدوان البيجر الإسرائيلي”، لكن رغم ذلك هو رقم مرتفع قياساً إلى حجم السكان، ويعكس واقعاً يتجاوز القطاع الصحي ليطال البنية الاجتماعية برمّتها.
بيروت تتصدّر سلبيّاً
تُظهر هذه الإحصاءات أنّ عدد وفيات الذكور أعلى من عدد وفيات الإناث، وهو أمر لا يمكن فصله عن طبيعة الحياة اليومية في لبنان اليوم. فالرجال أكثر تعرّضاً لحوادث السير، العنف، الاعتداءات الشخصية، وضغوط العمل في ظل اقتصاد منهار، إضافة إلى التأثيرات النفسية والأمنية الناتجة عن غياب الاستقرار.
فيما تتصدّر بيروت المناطق اللبنانية في عدد الوفيات، وهو مشهد يعكس تحوّل العاصمة من مدينة جذب إلى مدينة مُنهَكة، فالكثافة السكانية المرتفعة، التلوّث، الضغوط المعيشية، وشيخوخة السكان، إضافة إلى تراجع نوعية الخدمات الصحية، جعلت من بيروت مساحة تستهلك سكانها بدل أن تؤمّن لهم شروط الحياة الكريمة.
في المقابل، تُظهِر أقضية مثل كسروان، جبيل، المتن، وبشري نسب نمو سكاني ضعيفة جدّاً. هذه المناطق تشهد تراجعًا حادًا في معدلات الولادة مقابل ارتفاع متواصل في نسبة كبار السن، نتيجة هجرة الشباب وتقلّص فرص الاستقرار. ما يتشكّل هنا هو مجتمع هرمي مقلوب، بقاعدة شبابية ضيّقة ورأس متضخّم، في واحدة من أخطر التحولات الديموغرافية التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث.
انهيار اقتصادي وجريمة!
لا يمكن قراءة هذه الوقائع من دون التوقّف عند الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019. انهيار العملة الوطنية، تآكل الرواتب، ارتفاع معدلات الفقر، وغياب أي أفق مهني، دفعت عشرات آلاف الشباب إلى الهجرة. هذه الهجرة لم تكن موسمية أو ظرفية، بل تحوّلت إلى خيار شبه دائم، أفرغ المجتمع من طاقته المنتجة، وساهم بشكل مباشر في تسريع الشيخوخة السكانية وارتفاع نسب الوفيات مقارنة بالولادات.
إلى جانب الانهيار الاقتصادي، يشهد لبنان ارتفاعاً مُقلقاً في معدلات الجريمة والاعتداءات الشخصية. غياب الدولة، ضعف الأجهزة الرقابية، وانتشار السلاح، كلها عوامل جعلت العنف جزءاً من المشهد اليومي. هذا الواقع لا يرفع فقط من عدد الوفيات المباشرة، بل يخلق بيئة نفسية واجتماعية ضاغطة تسرّع الانهيار الصحي وتزيد من هشاشة المجتمع.
حوادث السير والحرب!
كما تشكّل حوادث السير أحد الأسباب الأساسية للوفيات، خصوصاً بين الذكور. طرقات متهالكة، غياب الإنارة، ضعف تطبيق القوانين المرورية، وسلوكيات خطرة، حوّلت الشارع اللبناني إلى مصدر دائم للموت، في بلد يعجز عن حماية أبسط حقوق مواطنيه في السلامة العامة.
ولا يمكن إغفال أثر العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان، ولا سيما في الجنوب، فالضربات المباشرة، إضافة إلى النزوح، القلق الدائم، والضغط النفسي، ساهمت في رفع عدد الوفيات بشكل مباشر وغير مباشر. كما أن استهداف البنية التحتية الصحية والبيئية زاد من تدهور القدرة على الاستجابة الطبية، خصوصاً في المناطق المتضررة. كل ذلك يحصل في ظل قطاع صحي مُنهَك، يعاني من نقص الأدوية، ارتفاع كلفة الاستشفاء، وهجرة الكوادر الطبية.
لبنان لا يواجه مشكلة صحية معزولة، بل يعيش انهياراً ديموغرافيّاً صامتاً، تقوده الهجرة، الشيخوخة، العنف، الفقر، والعدوان.. فلبنان لا يموت فجأة، بل ببطء… وبالأرقام.

خاص Checklebanon



