🔶خاص – حين يصبح الخوف رفيق الطريق: الشارع غابة والفقير هدفٌ مباح!

لم يعد الخوف شعوراً طارئاً يمرّ في ذهن المواطن اللبناني ثم يتلاشى، بل تحوّل إلى حالة دائمة تعتمل في القلوب وترافق الناس في تفاصيل يومهم العادي. خوف عند تشغيل السيارة، خوف عند المرور في شارع شبه فارغ، خوف عند التوقّف على إشارة أو سلوك طريق اعتادوه لسنوات بلا تردّد.
اليوم، بات اللبناني يخرج من منزله وهو يراجع احتمالات الخطر أكثر مما يراجع وجهته، وكأن الطرقات لم تعد وسيلة عبور، بل اختباراً يوميّاً للنجاة.
من هاجس إلى واقع!!
لم يعد انعدام الأمن في لبنان مجرّد هاجس عابر أو شعور مبالغ فيه، بل تحوّل إلى واقع يومي يعيشه المواطن في تفاصيل تنقّله وحياته البسيطة، فالطرقات التي يفترض أن تكون مساحات آمنة للعبور والعمل والسعي وراء لقمة العيش، باتت في أماكن كثيرة ساحات مفتوحة للجريمة، لا فرق فيها بين ليلٍ ونهار، ولا بين شارع فرعي أو طريق رئيسي.
الخطر لم يعد محصوراً بمناطق محددة أو أوقات متأخّرة، بل أصبح احتمال الاعتداء قائماً في أي لحظة. سائق، راكب، أو حتى مارّ عادي، يمكن أن يجد نفسه فجأة في مواجهة لص مسلّح، بلا حماية حقيقية، وبلا ضمانة أن حقه سيُستعاد إن نجا بحياته. وهنا تكمن المأساة: المواطن بات يشعر أنه متروك لمصيره، وأن نجاته تعتمد على الحظ لا على سلطة تحميه.
العدالة امتياز!!
الأشدّ قسوة في هذا المشهد أنّ العدالة باتت “امتيازاً لا حقّاً”، فالفقراء وذوو الدخل المحدود هم الوقود الحقيقي لهذه الفوضى، لأنّهم الأكثر وجوداً في الشارع، والأقل قدرة على حماية أنفسهم. لا حراس شخصيين، ولا نفوذ سياسي ولا علاقات تفتح الأبواب المغلقة. في المقابل، يعيش أصحاب المال والجاه في دوائر محصّنة، تحيط بهم الحماية والنفوذ، وكأنهم ينتمون إلى بلدٍ آخر داخل البلد نفسه.
غياب الردع لا يتجلّى فقط في تكرار الجرائم، بل في الإحساس العام بأن لا سلطة حقيقية تمسك بالأرض. لا كاميرات قادرة على إنصاف الضحية، ولا سرعة في الملاحقة تعيد الحقوق، ولا أحكام رادعة تعيد الثقة. ومع كل حادثة جديدة، يتكرّس شعور العجز، ويتحوّل الخوف إلى أسلوب حياة: تغيير طرق السير، تجنّب الخروج ليلًا، الحذر الدائم، والعيش تحت ضغط مستمر.
تراكم أزمات وتراخي مسؤوليات
هذا الانفلات الأمني ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم أزمات: فقر متزايد، انتشار واسع للسلاح، ضعف في الإمكانات وغياب رؤية أمنية شاملة. لكن الأخطر من كل ذلك هو التطبيع مع الخوف، وكأن المطلوب من المواطن أن يتأقلم مع الجريمة بدل أن تُجفَّف منابعها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كانت الجرائم ستتوقف، بل إلى متى سيُترك المواطن وحيداً في هذه المواجهة غير المتكافئة؟ فالأمن ليس ترفًا ولا شعارًا سياسيًا، بل حق أساسي من حقوق الناس. وعندما تعجز الدولة عن توفير هذا الحدّ الأدنى من الحماية، فإن العقد الاجتماعي برمّته يصبح مُهدّداً.
إلى متى؟!.. سؤال موجع
إنّ استعادة الأمن لا تكون بإجراءات ظرفية أو بيانات مطمئنة، بل بخطة جدّية تعيد هيبة القانون، وتساوي بين المواطنين، وتؤكّد أن الشارع ليس غابة، وأن الفقير ليس هدفًا مباحًا. إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى اللبناني يعبر طرقاته بخوف، لا لأنه جبان، بل لأنه تُرك بلا درع في بلدٍ يفترض أن يكون وطنًا للجميع.
ووسط هذا المشهد القاتم، يطفو سؤال موجع لا يمكن تجاهله: إلى متى سيبقى بلد السهر والسمر، وبلد العلم والحِرَف، و”مستشفى الشرق الأوسط” كما كان يُعرف يوماً، مرتعاً للخوف والمجرمين وقطّاع الطرق؟ إلى متى سيُبرَّر الرعب اليومي إمّا باسم الفقر والجوع، أو باسم الإجرام الصريح، فيما المواطن وحده يدفع الثمن من أمنه وكرامته وحياته؟!
خاص Checklebanon



