🔶خاص شدة قلم: عندما تُستباح الطفولة باسم العقيدة..!!

كلما فتح التاريخ صفحاته.. القديمة الساحقة أو الحديثة الماحقة.. نقرأ السطر ذاته بصياغات مختلفة: الأطفال والأجيال الطالعة أوّل ضحايا حروب الأفكار.. الوقود الأسهل لمعارك لا يفهمون أسبابها ولا يملكون حق رفضها.. فبين براءة الطفولة وقسوة الأيديولوجيا.. تتحوّل الأجيال الصاعدة إلى دروع بشرية.. أو كِبَاش فداء لمشاريع لا ترى في الإنسان سوى أداة.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العنف المادي.. بل في الزراعة المدمّرة للأفكار في العقول الصغيرة.. فما يُغرس في الصغر من تشويه لمفهوم “الصراط المستقيم”.. يُحصد في الكِبر تطرّفاً وكراهية وعنفاً باسم الدين أو القضية.

هكذا يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خلاف قاتل.. وتُفسد وجهات النظر المتباينة أي إمكانية للودّ.. بدل أنْ تكون باباً لمعرفة الآخر وتقبّله.. ما نشهده اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي ليس بريئاً ولا عابراً.. لأنّ الفيديوهات التي تظهر في “توقيت محسوب”.. خصوصاً “مواسم الأعياد المجيدة”.. تُلقي برسائل مشحونة في بيئة لبنانية هشّة.. لا تنام فيها الفتن بل تغمض عينيها فقط.. تحت رماد ساخن ينتظر لحظة الانفجار في بلد كلبنان.. يكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق كبير.

خلال الأيام الماضية، انتشرت مقاطع مصوّرة ذات طابع أيديولوجي واضح من داخل “مدارس المهدي”.. يظهر فيها أطفال يُستخدمون لإيصال رسائل عقائدية أو سياسية.. كلٌّ من موقعه وخلفيته.. والمشكلة هنا لا تقتصر على مضمون الرسالة.. بل على الوسيلة نفسها: الطفل. فالطفل ليس منبراً.. ولا صندوق بريد.. ولا أداة تعبئة وجدانية لأي جهة كانت.

https://www.instagram.com/reel/DSSQXvsjJsI/

في المقابل ظهرت مقاطع لطفلات من إحدى المدارس الطرابلسية يردّدن عبارات إنكار للآخر.. ورغم أنّ البعض قد يجادل بصوابية كلام الطالبات الصغيرات منظور عقائدي.. لكن الحقيقة الأوسع أنّ كل دين يؤمن برسالته ولا يعترف لاهوتياً بغيره.. وهذا شأن إيماني خاص.

https://www.facebook.com/reel/1215970507110286

أما تحويل هذا الاختلاف إلى خطاب إقصائي على ألسنة الأطفال.. وفي مجتمع مُتعدّد الطوائف والانتماءات.. فهو لعب خطير بمستقبل البلد.. الكلمات تفقد معناها الأخلاقي عندما تُجرّد من سياقها الإنساني.. ولو حافظ أستاذ التربية الإسلامية على تلقين التلميذات الصغيرات أُسُس سماحة الإسلام.. وأخلاق الرسول محمد ﷺ.. وقيم الرحمة والعدل والتعارف بين الناس.. لكان في ذلك رفعة للدين قبل أي شيء آخر.. أما استدعاء الأطفال إلى ساحات الاصطفاف.. فلا يصنع إلا أجيالاً مأزومة ومشحونة بالخوف والكراهية.

اتركوا الخلق للخالق.. ارحموا الأطفال من رسائلكم “أياً كانت عناوينها”.. ارحموا الأطفال من المتاجرة باسم “شهيد أقدّس” أو “تعليم ديني”.. فالعقيدة المحمدية أوسع وأعمق من أنْ تُختصر في شعارات تعبوية.. أو تُستخدم كوقود لمعارك مؤجّلة.. والمدارس يجب أنْ تكون مساحات علم وبناء إنسان.. لا معسكرات زرع فتنة وصناعة أجيال ترى في القتال غاية.. وفي الآخر عدواً دائماً.

https://www.facebook.com/reel/1469364927364681

 

من حق أي إنسان لأي دين انتمى التعبير عن قناعاته والمجاهرة بما يؤمن به.. لكن ليس من حق أحد أنْ يفعل ذلك عبر الأطفال.. ولا أنْ يجعل من براءتهم منصّات لإرسال رسائل إلى المستقبل.. فالطفل لا يختار المعركة.. لكنه يُجبر لاحقاً على دفع ثمنها. يقول الله تعالى في سورة الكافرون: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.. آية واضحة وصريحة ترسم حدود الإيمان.. وتضع الإنسان أمام مسؤوليته الأخلاقية قبل أي ادّعاء بالوصاية أو المحاسبة.

https://www.facebook.com/reel/1409778224128865

 

مَنْ نحن لنحاكم الآخرين أو نُدينهم أو نزرع في قلوب الصغار بذور البغض؟.. مَنْ أعطانا حق تحويل الاختلاف إلى مشروع كراهية طويل الأمد؟.. يكفينا أحقاد وحروب وانتظار “ساعات الصفر”.. لأنّ الآخر لأي دين انتمى ولو لم يجاهر بكرهك.. إلا أنّه بعد متابعة هذه الفيديوهات سيشحذ الهمم للانقضاض.. فلماذا تريدوننا أن نكون جميعاً “شركاء في صناعة الخراب”؟!

كشافة الامام المهدي (ع) يعايدون براعم مدرسة المهدي (ع) القطراني – المؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم
مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة