🔶خاص: “أنا وغيفارا”.. حين يعود المسرح الغنائي في لبنان كفعل مقاومة!

بعد عقدين.. فريد وماهر صبّاغ يستعيدان ثورتهما الأولى
في مدينةٍ أنهكتها الأزمات ولم تُهزم ذاكرتها الثقافية، يعود المسرح – ولاسيما الغنائي – ليعلن حضوره كفعل مقاومةٍ جمالية، وكأنّ الخشبة ما زالت قادرة على قول ما تعجز عنه السياسة.
من بيروت، حيث يُصارع الفن كي يبقى حيّاً، ارتفع الستار مُجدّداً عن عملٍ مسرحي غنائي يُعيد طرح الأسئلة الكبرى: عن الحرية والسلطة ومصير الإنسان في عالم تتحكم به قوى القرار.

رغم التحديات العديدة التي تواجه إحياء المسرح الغنائي في لبنان، ولا سيما على المستوى الإنتاجي وارتفاع الكلفة المادية، أعاد الأخوان فريد وماهر صبّاغ إحياء عملهما المسرحي الأوّل “أنا وغيفارا” بحلّة جديدة وأبطال جدد، على خشبة مسرح جورج الخامس – أدونيس، مساء السبت الماضي.
عرضٌ أوّل جاء بعد عشرين عاماً على ولادة النص الأصلي، مُحمّلاً بثقل التحوّلات الدولية والعربية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، وبإسقاطات مباشرة على واقعنا الراهن، حيث لا تزال مصائر الشعوب رهينة تدخلات “دول القرار الكبرى”.
https://www.facebook.com/reel/1394708158826768
بحضور لافت من أهل الفن والإعلام، انطلقت المسرحية التي مزجت بين الغناء والتمثيل والمشهديات المتنوّعة، متنقّلةً بين كوبا والمكسيك، ضمن كتابة جديدة تواكب وعي الإنسان المعاصر، ومعالجة درامية تعكس تبدّل النظرة إلى القضايا الإنسانية في زمن الانكسارات.
ومن خلال استعادة سيرة المناضل تشي غيفارا، من الطب إلى الثورة، ومن العشق إلى المواجهة، مروراً بعلاقته المتينة بالقائد الكوبي فيدال كاسترو، يرسم العمل مسار نضالٍ امتدّ لعقود طويلة، من دون المساس بجوهر الوقائع التاريخية.
النَفَس الملحمي كان حاضراً منذ المشاهد الأولى، تمثيلاً وغناءً، وصولاً إلى لحظاتٍ تماهت فيها الحدود بين الواقع والخيال، ولا سيما في التحوّلات اللافتة التي قدّمتها الممثلة نادين الراسي، من شخصية “إيفا” التي تجسّد دول الهيمنة، إلى صورة “السيدة العذراء”، في مشهدية رمزية عالية الدلالة.
https://www.facebook.com/watch/?v=1332871028587013
أما الروح الثورية والأداء المسرحي المتماسك، المترافق مع غناءٍ لافت، فكانا من توقيع الأخوين صبّاغ أداءً وغناءً وإخراجاً ونصّاً، فأكّدا من خلال “إعادة إحياء العمل” أن رهانهما الحقيقي يتمثّل في توفير مساحة للجمهور لمشاهدة مسرح يحترم العقل والذائقة، ويعيد الاعتبار للفن كأداة وعي وتغيير، مهما بلغت الصعوبات المادية واللوجستية.
ولم تغب النكهة الكوميدية عن العمل، إذ أضفت أجواءً من المرح على السياق الثوري، من خلال الصراع الذكي بين شخصية “ضابط تتبع النظام الحاكم التي أدّتها أنطوانيت عقيقي، وزوجها “الرقيب المنشق عن النظام السلطوي” الذي جسّده ريمون صليبا، في مفارقات خفّفت من حدّة التراجيديا من دون أن تُفرغها من معناها.
لتبقى الرومانسية المجبولة بالثورة والصوت الجميل، ذلك الصوت الذي حمل نبض المسرحية عبر حنجرة الممثلة والمغنية كارين رميا، فاختزل خبرة سنوات طويلة من العمل المسرحي، وتجارب غنيّة عديدة مع الأخوين صبّاغ. حضرت كفاكهة ناضجة أضفت على العمل أداءً راقيًا ورسالةً واضحة: أن من يكبر على القيم والمبادئ لا يمكن أن يبلغ مبتغاه بالدم.
هكذا رسمت عالم شخصيتها، حنونةً وثائرة في آن، ثورة تؤمن بالقدرة على النجاح من دون خيانة أو قتل.
“أنا وغيفارا” عمل مسرحي غنائي استعراضي نابض بالحياة، يطرح أسئلة معاصرة حول الحرية والسلطة والعدالة، ويترك في ختامه للمشاهد مساحة التأمّل والاستنتاج.
ومن موقعنا، كل التهنئة لأسرة العمل، وكل الدعم للمسرح اللبناني ولكل الفنون التي تواصل الصمود والإبداع، في زمنٍ بات فيه الفن نفسه فعلاً من أفعال المقاومة.

خاص Checklebanon



