خاص شدة قلم: أهل الضاحية في المولات.. نعيم يستنسخ “الإصبع” مهدّداً.. وتل أبيب ترد على عجل!!

لم يكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يفرغ من خطابه المتلفز.. المحمّل بالتهديد والوعيد من “القرنة المخبى فيها”.. حتى جاءنا الردّ الإسرائيلي فوراً.. ناراً ودماراً وتهديداً مباشراً.. لم يحتج العدو إلى تحليل أو تأويل فالكلمات كانت كافية لتشعل الخطر.. وحده الجيش اللبناني وجد نفسه مرّة جديدة في الواجهة.. لا دفاعاً عن خطابٍ متهور.. بل حمايةً لمنزلٍ بات هدفاً مُحتملاً.. فانتشر في محيط المنزل المُهدَّد.. رافضاً السماح للحظات يعبر منها العدو للاعتداء.. بعدما تلاعب “الكيان الغاصب” بلعبة “التراجع ثم العودة إلى الضربة”.. وعاد ناطق جيش العدو أفيخاي أدرعي إلى التهديد بلا اكتراث لسيادة أو استقرار..
أمام هذا المشهد.. السؤال ليس سياسياً بل أخلاقي وجودي: هل فكّر نعيم قاسم – ولو للحظة – بعواقب كلماته؟.. أيّ عاقل يرضى بأنْ يُلقّن خطاباً مُسجّلاً.. وهو يعلم أنّ كل جملة فيه قد تترجم صاروخاً فوق رؤوس الناس؟.. بأي حقّ يغامر ببيئته من جهة.. وبلقمة عيش اللبنانيين.. وبما تبقّى من يوميات بلدٍ منهك من جهة أخرى.. لمجرّد إعادة إنتاج لغة خشبية فقدت أي صلة بالواقع؟
يُعيد الرجل استنساخ حركة سلفه “الإصبعية”.. محاولاُ استخدام نفس النبرة – لكنه يفشل طبعاً – من خلال عبارات من نوع: ” فلتعلم أميركا – طالما هي اللي عم تدير الموضوع – سندافع حتى لو أطبقت السماء على الأرض.. لن يُنزع السلاح تحقيقاً لهدف إسرائيل”.
كلام أجوف وخشّبي ومنفصل كلياً عن الوقائع.. شعارات بالية لم تعد تخدع أحداً.. ولا تحمي أحداً، أو تردع عدواً.. لكنها تنجح في أمر واحد فقط: دفع الناس نحو الخوف والخراب والمجهول.. وكلما ازداد هذا الخطاب تعالياً واستكباراً.. ازداد نفور البيئة نفسها منه.. بيئة سئمت أنْ تُساق إلى الموت بحكايات العزّة والكرامة والانتصار.. فيما الحقيقة الفجّة تقول إنّ أوّل مَنْ أنهكته هذه المغامرة هم أهلها أنفسهم.. الناس تعبوا من الكذب والتضحيات المجانية.. وملّوا الشعارات التي لا تُطعم خبزاً ولا تحمي سقفاً ولا تعيد ابناً.
الأرقام وحدها فاضحة.. لكن الأخطر هو التحوّل الصامت داخل البيئة الشيعية نفسها.. معارضة تتسع من رجال دين ومفكرين، وسياسيين وصولاً إلى الناس العاديين. لأن السقف المدمّر يعادل الروح.. وجنى العمر لا يُستبدل بالشعارات.. والشيخوخة المكسورة في مراكز الإيواء أو عند قريبٍ مُهين.. أثقل من أي خطاب “ممانعة” لأن “اللي ما عندو بيت ما عندو وطن”.
مشهد مساء الأمس أبلغ من ألف بيان.. ففيما العدو يهدّد يانوح.. كانت أطراف الضاحية الجنوبية تنبض بالحياة.. رصدتُ “بأم البصر والسمع” ناسها في المراكز التجارية يتسابقون نحو الحياة لا الموت.. يسرقون لحظات الامل من ساعات الخوف.. فيتحلّقون حول شجرات الميلاد لالتقاط الصور.. يضحكون ويتسوّقون في ظل “حياة طبيعية”.. لا لأنهم لا يخافون الحرب.. بل لأنهم ملّوا الخوف.. ملّوا أن يُستخدم رعبهم وقوداً لخطابات فارغة..
رأيتهم يركضون خلف الحياة لأنها تليق بهم وبنا جميعاً.. أما الموت فلا يليق إلا بمَنْ اختاره.. ألا وهو أحد اثنين.. إمّا “مُرغماً” لأنّه “عبد إيراني ذليل”.. زرعوا في مخيّلته صوراً عن عقيده “لا شأن لي للدخول في تفاصيلها”.. أو “مسلوب الإرادة – مغسول الدماغ”.. كبر ونشأ وترعرع على “الموت لنا عادة”.. لكن ما يُطلب اليوم من الناس ليس شهادة بل “تهلكة”.. والشهادة لا تكون برمي النفس في النار..
ولا بتحويل البشر إلى “دروع لغوية”.. فـ”اعقل وتوكّل” لم تكن يوماً دعوة إلى تعطيل العقل وتسليم الرقاب..
والسؤال الأخير الذي لم يعد يحتمل المواربة: إلى متى يُترك مصير بلد كامل رهينة خطابات متهورة؟.. ومتى يقرّر هؤلاء أنّ اللبنانيين ليسوا وقوداً ولا دروعاً ولا جمهور تصفيق؟.. هذا البلد لم يعد يحتمل المزيد من العنتريات.. فالغضب لم يعد ترفاً.. بل هو حق مشروع!!!

مصطفى شريف – مدير التحرير


