خاص -الصمت دليل ناقص: لماذا استثنى «قاسم» اسم «نبيل قاووق» من قائمة المشايخ الشهداء؟!

في الحروب لا تُختصر الوقائع دائماً بما تقوله البيانات، بل بما تتجاهله.
أحياناً، لا يكون السؤال عمّا قيل، بل عمّا لم يُقَل، عمّن ذُكِر ومن أُسقِط اسمه من السردية.
في هذا الهامش بالتحديد، نشأت واحدة من أكثر القضايا إرباكاً وإثارة للجدل، بعد عام على اغتيال نائب رئيس “المجلس التنفيذي” ومسؤول “وحدة الأمن الوقائي” الشيخ نبيل قاووق، ليُطرح السؤال: لماذا سقط اسمه من لائحة المشايخ الشهداء الذين عدّدهم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، ما فتح البابا على مادة دسمة من التأويل والتحليل.
ما بين السطور!
الحدث، في ظاهره، واضح: غارة إسرائيلية دقيقة استهدفت مبنى سكني في الضاحية الجنوبية ما أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء بينهم “قاووق”. هذا هو الحد الأدنى من الوقائع المؤكدة، لكن بعد عام النعي البرّاق، والدفن في “روضة الشهيدين”، بدأت الأسئلة تتسلّل من خلف الستار، لا من خصوم الحزب هذه المرّة، بل من بيئته، ومن متابعين يقرأون التفاصيل الصغيرة بوصفها إشارات لا أخطاء بروتوكولية.
الاستثناء من خطاب رسمي في لحظة حرب، ليس تفصيلاً عابراً في عرف السياسة والتنظيمات العقائدية. فحين تُبنى السرديات بدقّة، يصبح لكل كلمة وزن، ولكل اسم دلالة، ولكل غياب معنى محتمل.
رأس الخيط والعقدة!!
من هنا، التقطت منصات التواصل الاجتماعي وبعض التحليلات الصحفية هذا الخيط، مُرتكزة إلى تقرير وكالة “رويترز” الذي صدر أيلول العام الماضي، والذي نسج روايات شديدة الخطورة، لا يمكن تجاهل انتشارها، حول ضلوع لقاووق بـ”عمالة ما”.
هذه الروايات تذهب إلى القول بوجود شبهات أمنية أحاطت بالراحل قبل اغتياله، بل وتلمّح إلى اتهامات أخطر تتحدّث عن اختراق داخلي أو عمالة لإسرائيل. وتضيف بعض السرديات أنّ الحزب، بعد ما قيل إنّه اكتشاف أمني، ترك الأمور تسير نحو النهاية، عبر وجود قاووق في موقع كان مكشوفاً استخبارياً، فانتهى مقتولاً بغارة معادية.
تزيد بعض الروايات جرأة، فترتبط بما بات يُعرف إعلامياً بـ”جريمة البيجر”، محاولةً تركيب مشهد متكامل: دور أمني، فشل أو تواطؤ، تصفية غير مباشرة. غير أنّ هذه السردية، رغم ترابطها الظاهري، تعاني من ثغرة جوهرية: غياب أي دليل منشور أو مصدر يمكن مساءلته أو التحقق منه. لا وثائق، لا تسجيلات، لا اعترافات، ولا حتى تسريبات موثقة.
3 مسارات.. ولكن!!
وهنا، يصبح لزاماً التمييز بين ثلاثة مسارات: الحقيقة المؤكدة، الملاحظة السياسية، والاتهام الجنائي. فالأول متاح والثاني مشروع، أما الثالث فلا يجوز الدخول إليه إلا بأدلة دامغة. والخطر كل الخطر أن تتحوّل الشكوك إلى قناعات، والتحليل إلى محكمة افتراضية، تُصدر أحكامها بلا بيّنات.
التاريخ الأمني في المنطقة، وسجلّ الاختراقات، وطبيعة الصراع مع إسرائيل، كلّها عوامل تجعل الجمهور شديد الحساسية لأي خلل أو صمت أو استثناء. ومن هنا، يصبح من غير الواقعي مطالبة الناس بعدم التساؤل، بقدر ما يصبح من غير المسؤول تحويل التساؤل إلى اتهام.
في ختام الكلام، لا يمكن تبنّي رواية العمالة ولا حتى رواية التصفية الداخلية من دون أدلة مثبتة، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أنّ هذه الروايات لم تولد في فراغ. إنّها نتاج تراكم صمت، واختفاء تفسير، وغموض لم يُرفَع ستاره بعد. والله أعلم.
خاص Checklebanon



