خاص – لبنان عند حافة التحوّل: بين فرنسا وعُمان “مفاوضات أم ظلال حرب تتّسع”؟!

في لحظة لبنانية دقيقة تتقاطع فيها الهشاشة الداخلية مع سباق إقليمي محتدم، جاءت زيارة جان إيف لودريان إلى بيروت لتعيد فتح النقاش حول موقع لبنان في معادلة الصراع والتسوية. فهذه ليست زيارة بروتوكولية، ولا مجرّد جولة أممية لتهدئة الجبهة، بل خطوة سياسية محسوبة تعكس رغبة فرنسية في إعادة تثبيت حضورها في الملف اللبناني وإعطاء دفع لمسار يبدو أنّ باريس تراهن عليه: تحويل المواجهة المفتوحة جنوباً إلى مسار تفاوضي منظم، ووضع لبنان مجدداً في قلب الدبلوماسية الدولية.
يتوازى ذلك مع زيارة الرئيس جوزاف عون إلى سلطنة عُمان، التي تتجاوز سياقها الثنائي إلى بعد إقليمي أوسع. فمسقط، التي لعبت تاريخياً دور الوسيط الهادئ بين طهران وواشنطن، تتحرك اليوم في ظل اشتداد الاستقطاب وتراجع قدرة القوى الإقليمية على إنتاج تسويات مستقلة.
بهذا المعنى، يشكّل ذهاب عون إلى عُمان جزءاً من خارطة اتصالات تهدف إلى تأمين غطاء تفاوضي أوسع، وخلق توازن مقابل الضغوط الإسرائيلية المتنامية، والتي تتراوح بين تهدئة ميدانية مشروطة وتصعيد لفظي غير مسبوق عن “عدوان شامل” يلوّح به قادة الاحتلال.
في خضم هذا المشهد، لا تزال سجالات تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة “الميكانيزم” متواصلة، لأنّ الانتقال من تمثيل عسكري إلى تمثيل مدني ـ دبلوماسي يضع الملف لأول مرة في إطار سياسي مباشر، ويعكس رغبة لبنانية رسمية في الإمساك بمفتاح التفاوض ضمن منطق الدولة لا منطق الجبهات.
لكن الأهم أنّ ما سُرّب عن رفض كرم أسلوب الجلسات السابقة، حين كان الجانب اللبناني يخاطب الأميركي ليخاطب الإسرائيلي، يؤشر إلى بداية تغيير في قواعد اللعبة. مواجهة مباشرة، كلام مباشر، وتفاوض بلا وسائط، في سابقة تهزّ سرديات طالت سنوات حول الفصل بين الدولة والميدان، وحول توزيع الأدوار في إدارة النزاع الحدودي.
هذه الخطوة لا يمكن أنْ تمر دون ردود فعل، فهناك مَنْ يرى أنّها مقدّمة فعلية لدخول لبنان في مرحلة تفاوض مباشر، مهما حاولت الدولة تغليف ذلك بإطار أممي. وهناك مَنْ يعتبرها محاولة ذكية لإعادة إدخال الدولة في قلب القرار، بعد سنوات من تفوّق قوة الأمر الواقع التي فرضت معادلتها الأمنية.
لكنّ المعضلة تكمن في كيفية تلقّي حزب الله لهذا التحوّل: هل سيراه استهدافاً لموقعه، وإشارة أولى إلى بدء تأطير دوره ضمن معادلة الدولة؟ أم سيتعامل معه كتكتيك ظرفي لا يمسّ جوهر دوره الاستراتيجي؟
تتزامن كل هذه التحولات مع تطوّر لافت جنوباً: انخفاض نسبي في وتيرة الاغتيالات التي قامت بها إسرائيل في الفترة الأخيرة، مقابل ارتفاع منسوب التهديد العلني بعملية واسعة. هذا التقاطع بين التهدئة الميدانية والوعيد الاستراتيجي يعكس بوضوح انتقال تل أبيب من سياسة الردع إلى سياسة فرض الشروط، مستفيدة من الضغط الدولي على لبنان ومن هشاشة الوضع الداخلي. لذلك تبدو فرنسا، ومعها عُمان، كأنهما تحاولان استباق السيناريو الأسوأ عبر ملء الفراغ الدبلوماسي قبل أن تملأه النار.
في الخلاصة، يبدو أن زيارة لودريان وزيارة عون ليستا حدثين منفصلين، بل جزء من لحظة سياسية واحدة: لحظة تُختبر فيها قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها، وقدرة الأطراف الدولية على كبح الانفجار، وقدرة القوى الداخلية على قراءة التحوّلات بدل الصدام معها.
ما بين فرصة التهدئة وهاجس الحرب، يقف لبنان مرة أخرى أمام امتحان وجودي، وربما أمام آخر نافذة يمكن أن يطلّ منها نحو مستقبل مختلف.
خاص Checklebanon



