خاص – صالون الأمن العام السوري و”حملة حلاقة جماعية”: “احلق ذقنك .. يحلق الوطن مشاكله معها”!؟

ظنَّ الكثيرون أن ساكن “قصر المهاجرين” الجديد سيعود من واشنطن ليجد بلاده، وقد بدأت إصلاحات سياسية، أو خطوات جادّة في تفكيك منظومة التشدّد والقبضة الأمنية، لكن المفاجأة السورية كانت من طراز مختلف تماماً.. كلها موضة وإشراق وتألّق “حملة حلاقة جماعية”.
إنّها حملة حلاقة فعلية، وليس بالمعنى السلبي، فما أنْ عاد الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع من زيارته التي امتلأت بالمجاملات البروتوكولية والصور البرّاقة، حتى تحرّكت إدارة الأمن العام لإطلاق “عملية تجميل وطني” عنوانها العريض: “احلق ذقنك .. يحلق الوطن مشاكله معها”، لكأنّ سوريا تعيش في صالون حلاقة سياسي، كل تغيير يبدأ من الوجه وينتهي على شفرات الحلاقة!!
“سبحان مَنْ زيّن الرجال اللحى”، قول مأثور تتناقله الأجيال، لكن كانت “النسخة السورية الجديدة” قد سبق وقرّرت تحويل اللحية من رمز إلى مشكلة، ومن مظهر إلى جريمة، ومن تعبير شخصي إلى “مكنسة ساحرة” تُشعر الآخر بالخطر من كل مُلتحٍ.

إذن، الحل بسيط – وفق منطق إدارة البيت الأبيض – ولا يبدأ بمراجعة العقل الأمني ولا بتشخيص الأخطاء البنيوية، بل يبدأ بالذقن: إنْ أزيلت الشعيرات، زال معها الفكر المتشدّد، وكأنّ التطرّف مجرد جزء زائد يمكن نزعُه بالشفرة.
المشهد ساخر بكل ما للكلمة من معنى، خاصة أنّ الإجراءات رُوِّج لها على أنّها “انضباط صارم”، والحقيقة أنّ الانضباط المقصود لا يتجاوز حدود المرآة، فالعقيدة المُتشدّدة التي تتباهى “الدولة الجديدة” بمحاربتها تستقر في غرفٍ مُعتمة وممارسات وتراكمات ثقيلة لا يصلها الموس مهما كان حادّاً.
ورغم ذلك، تبدو السلطة مُقتنعة بأنّ الحلاقة أسرع وأرخص وأكثر قابلية للتسويق من مواجهة الأسئلة الكبرى: كيف تُعالَج جذور التطرّف؟ كيف تُفكَّك الذهنية الأمنية؟ وكيف يُبنى جيش أو مؤسسة عصرية بلا رواسب الماضي؟
من هنا، وبدل طرح هذه الأسئلة، تحوّل كل شيء إلى تفاصيل في دفتر التعليمات: كم مليمتراً يجب أن يُقصّ؟ وبأي زاوية تمسك الشفرة؟ وهل يُعتبر الملتحي أقل وطنية؟ وهكذا تصبح قضية بحجم إصلاح مؤسسة أمنية كاملة مُختزلة في قصة شعر.
إنّها محاولة جديدة لتجميل الصورة بدل تجميل المنظومة، وتغيير المظهر بدل تغيير الطبقة السميكة التي تغطي الواقع، فالوجوه قد تصبح أكثر لمعاناً بعد الحلاقة، لكن العيون التي تنظر من فوقها تبقى كما هي: نظرات تخشى التغيير الحقيقي، وتفضّل أن تحارب الأخطاء في المكان الأكثر هشاشة.. وهو الذقن.
بذلك، يستمر المسرح السوري على حاله: تغييرات في الشكل، وجمود في المضمون، وبلد يحاول أن يبدو حضاريًا أمام الكاميرا بينما يحتفظ بنفس الوجوه المخيفة خلفها.. الحلاقة تمت، لكن الخوف ما زال كما هو… “لا يُقصّ”.

خاص Checklebanon



