خاص شدة قلم: “الكتاب المفتوح” وواقع الانهيار: هل تحوّل الحزب “حاكم إلهي” بشؤون وشجون اللبنانيين؟!

كأنّه لا يكفي اللبنانيين ما يعيشونه من مآسٍ يومية.. حتى جاءهم “حزب الله” بكتابٍ مفتوح جديد إلى “الرؤساء الثلاثة”.. معلناً رفض التفاوض مع العدو الإسرائيلي، ومؤكداً ما يسمّيه “حقه بالمقاومة المشروعة”.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أيّ حقّ هذا الذي يتحدّث عنه الحزب؟.. ومَنْ أعطاه سلطة التقرير باسم الدولة والناس؟.. وهل تحوّل حزب الله “حاكم إلهي” بشؤون وشجون اللبنانيين؟!

منذ تأسيسه و”حزب الله” يسعى إلى تثبيت معادلةٍ “المقاومة فوق السياسة”.. وسلاحه محميّ بشرعيةٍ دينية ووطنية مزعومة.. لكن في المقابل لا يمكن لأي دولةٍ أنْ تقوم على منطق ازدواجي في القرار السيادي.. فحين يحتكر طرفٌ واحد قرار الحرب والسلم.. ويضع نفسه في موقع المقرّر النهائي لمصير البلاد، تنتفي فكرة الدولة من أساسها.

“الكتاب المفتوح” الذي أطلقه الحزب أمس.. لم يكن مجرّد موقف سياسي.. بل إعلان صريح بالحرب وبأنّ “لبنان الرسمي” لا يملك قراره.. وأنّ “الدولة” ليست سوى واجهة تُدار من خلف الستار.. حيث تتقاطع خيوط النفوذ الإيراني مع حسابات الداخل اللبناني.

لكن الأدهى في توقيت هذا الكتاب منحه للعدو الصهيوني “الذريعة المثالية لتصعيدٍ جديد”.. فالحزب بإعلان رفضه التفاوض قدّم مادةً دعائية ثمينة لتل أبيب.. كي تبرّر أيّ ضربةٍ عسكرية تحت عنوان “مواجهة الذراع الإيرانية في لبنان”.. وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم مُجدّداً في عمق لعبةٍ خطيرة: طرفٌ داخلي “بأجندة خارجية” يرفع راية المقاومة متذرّعاً بالعدو.. وعدوّ خارجي يردّ ناريّاً بذريعة “مقاومة محور إيران”.. وفي النهاية، لا الرصاص يُصيب الحزب وحده.. ولا الردّ الإسرائيلي يطال إيران.. بل اللبنانيون ينزفون من أمنهم واستقرارهم وهيبة دولتهم..

هذه المعادلة المدمِّرة جعلتنا نشعر وكأنّ هناك تنسيقاً غير مُعلن بين الطرفين.. أو على الأقلّ تناغم موضوعي في المصلحة.. فكلّ تصعيدٍ يخدم سردية الآخر.. وكلّ مواجهةٍ تبرّر استمرارها.. إسرائيل تجد مُبرّراً لعدوانٍ جديد.. والحزب يجد ذريعةً لتكريس سلاحه بحجة الدفاع عن الوطن.. فيما يُترك المواطن اللبناني أسير “اللاأمان”، إذ منذ اللحظات الأولى لنشر “الكتاب المفتوح”، انتشر سؤالٌ واحد في الشارع: “يعني في حرب؟”.. أو “قرّبت الحرب؟”.

تتعدّد التقديرات بين مَنْ يربطها بزياراتٍ خارجية (كزيارة البابا لاوون) أو حساباتٍ إقليمية.. ومَنْ يسخر قائلاً: “هل تُقيم إسرائيل وزناً لزيارة أو لوساطة؟”.. لكن الحقيقة أنّ اللبنانيين باتوا يعيشون الحرب قبل أن تقع.. يومياتهم على جمر الخوف.. الأزمات لا تهدأ.. والأعصاب فوق فوهة برميل بارود.. فتيله مشتعل والانفجار مؤجّل بانتظار وصول الشرارة.

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة