خاص – “الكلام المنفلت”… حين يتحوّل المنبر إلى خطر على الأمن الوطني… وحين يقتل الميكروفون أكثر من الصاروخ!؟

في خضمّ التوترات المتصاعدة على الحدود الجنوبية، وفي ظلّ التهديدات الإسرائيلية المتكرّرة باستهداف مواقع داخل لبنان، تتكاثر على الشاشات والمنصّات أصوات تتحدّث بخفّة عن “مواقع تصنيع مسيّرات” أو “مخازن أسلحة” أو “معامل تابعة لحزب الله” في مناطق من بيروت وجبل لبنان وحتى الشمال.
كلام كهذا، مهما كانت دوافعه أو نواياه، لا يمكن النظر إليه سوى كخدمة مجانية للآلة الدعائية الإسرائيلية، التي تبحث دائماً عن ذريعة لتبرير عدوان جديد تحت عنوان “الردّ الوقائي” أو “استهداف البنية العسكرية للحزب”.
هذا النوع من التصريحات الصادرة عن أشخاص يُقدّمون أنفسهم كمحلّلين أو مطّلعين على “معلومات خاصة”، لا يندرج في خانة حرية التعبير، بل في “خانة التهوّر”، الذي يعرّض البلد ومواطنيه لأخطار مباشرة. فكل معلومة غير دقيقة تُقال في العلن، يمكن أنْ تتحوّل إلى “إحداثيات” في بنك الأهداف الإسرائيلي. والمفارقة أنّ أصحاب هذه المنابر لا يدركون أن ما يعتبرونه “كشفاً” أو “فضحاً” هو عملياً تبرير معلن لعدوان قد يدفع ثمنه اللبنانيون وحدهم.
كلام غير موزون
في المقابل، لا تقلّ خطورة التصريحات التي تصدر عن بعض مسؤولي الحزب أنفسهم، حين يسارعون إلى الإعلان عن “استعادة القوة والجاهزية”، أو “النهضة من الكبوة”، أو “الاستعداد لحرب غير متكافئة”. هذه اللغة، وإن كانت موجّهة إلى الداخل المؤيد، تفتح الباب أمام تصعيد لفظي يُترجم في الخارج كرسالة تحدٍّ أو استدعاء لمعركة، في لحظة إقليمية دقيقة وبيئة اقتصادية هشة لا تحتمل مغامرات.
هنا، أصبح اللبنانيون رهائن هذا التراشق الكلامي من الجهتين: من يبالغ في الكشف، ومن يبالغ في التباهي. فيما البلاد كلّها معلّقة بين تهديدات الخارج وتهوّر الداخل، وتدفع يومياً ثمن الانفعال الإعلامي من استقرارها وسمعتها واقتصادها.
لسانك حصانك!
الكلمة مسؤولية وطنية، لا مجرّد موقف إعلامي أو تسجيل حضور على حساب الوطن. وإذا كان العدو يستثمر في ضعفنا، فإنّ أخطر ما يمكن أن نقدّمه له هو هذا الانفلات الكلامي الذي يشرعن العدوان ويمنحه الذريعة التي ينتظرها.
ويبقى السؤال: مَنْ يضع حدّاً لهذا الاستهتار بالكلام؟، ومَنْ يُذكّر الجميع بأنّ الميكروفون قد يقتل كما يفعل الصاروخ؟، وهل يدرك المتحدّثون عبر الشاشات أنّ كل كلمة في زمن التهديد، قد تكون رصاصة في جسد وطن يتآكل من الداخل قبل أن يُصاب من الخارج؟

خاص Checklebanon



