خاص – من الوصاية إلى البلطجة والسلبطة: لبنان ليس دولة فاشلة يا توماس بارّاك!

إنها الوصفة القديمة ذاتها، تلك التي تبدأ بالتحقير وتنتهي بالوصاية

في زمنٍ تتهاوى مؤسّسات الدولة اللبنانية كأوراق الخريف، ويغدو الانهيار خبزاً يوميّاً للناس، خرج علينا الموفد الأميركي توماس باراك، من منبرٍ “ملتقى البحرين للأمن”، ليصبّ الزيت على نار الأزمات، ويصف لبنان بـ”الدولة الفاشلة”. لم يكن التصريح زلّة لسانٍ عابرة، بل موقفًا سياسيّاً مُتعمّداً، يكشف ما في العقل الأميركي من استعلاءٍ واستخفاف، وما في نفوس بعض الدبلوماسيين من غطرسةٍ وانفلاتٍ عن أبجديات الاحترام المتبادل.

أنْ يصف مسؤول أميركي لبنان بهذه اللغة، بعد ما سبق وتهجّم على الصحافيين اللبنانيين ووصفهم بالحيوانات، وهدّد الدولة اللبنانية بتكرار العدوان الإسرائيلي، فهذا يعني ببساطة أنّ الرجل فقد كل رصانته، وتحوّل من موفدٍ دبلوماسي إلى ثورٍ هائج، أو إلى ما يشبه الحمار الوحشي الذي لا يعرف للطريق أي رشاد.

كيف لدبلوماسي يُفترض أنّه رسول حوار، أنْ يتحوّل إلى بوق تهديد واستفزاز؟ أهذه هي اللغة الجديدة للديبلوماسية الأميركية؟، أم إنّ واشنطن قررت استبدال “فن الحوار” بـ”العصا الغليظة”؟!

“فلت الملق”
من الواضح أنّ بارّاك ما عاد قادراً على أنْ يُصلِح أو يستمع، بل يُملي ويُهدّد، فهو لا يتحدّث عن دولةٍ ذات سيادة بل عن ساحةٍ متروكة، يحقّ له أنْ يُشخّصها كما يشاء، وأنْ يوزّع عليها صكوك الفشل والعجز. في كل عبارةٍ يتفوّه بها، يُحمّل لبنان المسؤولية الكاملة عن انهياره، مُتجاهلًا أنّ جزءاً كبيراّ من هذا الانهيار هو نتاج سياساتٍ إقليمية ودولية حاصرت البلد وضيّقت عليه الخناق، وبلاده لها دور كبير في تضييق هذا الخناق، فيأتي مُتسلّحاً بخطابٍ مُتعالٍ، ليقول للبنانيين: أنتم فشلتم، فدعونا نتدخّل لنُنقذكم! إنها الوصفة القديمة ذاتها، تلك التي تبدأ بالتحقير وتنتهي بالوصاية.

الخطير في كلامه ليس الوصف المُهين فقط، بل ما يختبئ خلفه من رسائل سياسية مُوجّهة إلى الداخل اللبناني، فحين يقول إنّ لبنان فقد قدرته على إدارة نفسه، فهو يبرّر مُسبقاً أي تدخّل خارجي، ويمنح الغطاء لأي عدوانٍ إسرائيلي تحت شعار “ملء الفراغ”. وحين يتحدّث عن سلاح حزب الله وكأنّه حجر العثرة الوحيد أمام “نهوض لبنان”، فإنّه لا يدفع نحو الحوار، بل يلوّح بخيار القوّة والابتزاز. في كل جملةٍ من كلماته، هناك نزعة لإخضاع لبنان، لا لإنقاذه.

اعتذار فوري.. وإلا!!
ولأنّ الكلام لم يعد يحتمل الصمت، فإنّ من واجب الدولة اللبنانية أنْ تتحرّك فوراً. إذ عليها استدعاء القائم بالأعمال الأميركي لتبلغه احتجاجاً رسمياً على هذا الخطاب “المتعجرف”، وأنْ ترفض استقبال بارّاك مُجدّداً ما لم يُصدِر اعتذاراً علنيّاً وتصويباً واضحاً، وليس كما فعل في المرّة الماضية، حيث أكّد أنّه شتم المراسلين، معتبراً أنّ الأمر في بلاده عادي.

كما على وزير الخارجية يوسف رجّي توجيه كتاب إلى نظيره الأميركي يطلب فيه سحب ملف لبنان من يد بارّاك، لأنَّ مَنْ يفقد لياقة الكلام لا يُؤتمن على إدارة الملفات الحساسة. أما الصمت، فهو في هذه الحالة تواطؤ، والقبول إهانة.

على السيادة السلام
إنّ “أضعف إيمان” ما يمكن للبنان أنْ يفعله هو أنْ يُعلِن، وبصوتٍ مرتفع، أنّه “دولة ذات سيادة” لا تقبل أنْ يُمسح كرامتها على طاولات المؤتمرات. وإنْ كان بارّاك يرى في لبنان دولة فاشلة، فليتذكّر أنّ الدول لا تُقاس بأزماتها المؤقتة، بل بقدرتها على النهوض، وأنّ الشعوب التي تعيش على رمادها اليوم، قادرة على أن تُولد من جديد.

ويبقى السؤال الصادم: إذا كان هذا هو مستوى الخطاب الدبلوماسي الأميركي تجاه لبنان، فأيّ سياسةٍ تنتظرنا بعد؟ وإذا كانت إسرائيل متمسّكة باعتداءاتها ومستمرّة في استباحة الأرض والسماء، فوداعًا للسيادة اللبنانية، ومرحباً بمرحلةٍ جديدة من الهيمنة المتعدّدة: من وصايةٍ سوريةٍ إلى هيمنةٍ إيرانية، وصولاً إلى سلبطةٍ أميركية وبلطجةٍ إسرائيلية!!!


خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة