خاص – حين أساء سموتريتش للسعودية… فضحه جهله بـ”قِيَم الصحراء”!!

لم تكن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ضد السعودية مجرد زلة لسان عابرة، بل كشفت عن جهلٍ ثقافي عميق وسوء تقدير سياسي في لحظة حساسة، فالرجل الذي أراد السخرية من الصحراء والجمال، انتهى إلى الإساءة لبلدٍ لم يمد يده يومًا إلا من موقع الندّية والكرامة، قبل أن يقدّم “اعتذاراّ” زاد الطين بلّة.

هنا، تكمن المفارقة التي تلخّص فجوة الفهم بين إسرائيل ودول الخليج، والتي لا يمكن ردمها بالابتسامات الدبلوماسية وحدها. لم يكن ما قاله سموتريتش في مؤتمر تقني موجَّه للسعوديين مجرد “تصريح غير موفّق”، كما حاول لاحقًا أن يصفه. فقد قال بالحرف: “إذا طلبت منا السعودية التطبيع مقابل إقامة دولة فلسطينية، سنرد يا أصدقاء: لا شكرًا، واصلوا ركوب الجمال على الرمال في الصحراء السعودية، ونحن سنواصل التطور الحقيقي”.

“بدل ما يكحّلها عماها”
بهذه العبارة المستخفّة، كشف الوزير الإسرائيلي عن رؤية ضيقة تختزل الآخر في صور نمطية تعود إلى بدايات القرن الماضي، وتعيد إنتاج ذهنية استعمارية ترى في التقدّم التكنولوجي تفوّقاً حضارياً مُطلقاً، لكنها في جوهرها، لم تكن سوى إساءة للسعودية وللموروث العربي الذي يجهله.

اللافت أنّ محاولة سموتريتش لتصحيح الموقف جاءت أكثر إساءة من التصريح نفسه. ففي تسجيل مصوّر نشره لاحقاً عبر مواقع التواصل، قال إنّه “يبدأ في لملمة الأمور”، وإنّ تصريحه “غير الموفّق” كان في غير محلّه، لكنه أضاف بعبارة متعالية: “أنا أعتذر، ولكن في الوقت نفسه لست مُستعداً لقبول النفاق، ومثلما لا أريد أن أُسيء إلى السعوديين، فإنّني آسف لإساءتهم إلينا”.

هكذا، “بدل أنْ يُكحّلها عماها”، انتقل من السخرية إلى الاتهام، زاعماً أن السعودية هي التي تسيء إلى إسرائيل. وهو ما يعبّر عن ذهنية لا تعرف الاعتذار، بل التعالي في لحظة التراجع.

رؤية استراتيجية للسلام
في المقابل، حافظت المملكة العربية السعودية على موقفها الثابت من مسألة التطبيع، فمنذ طرح “المبادرة العربية للسلام” في “قمة بيروت” عام 2002، أكدت أنّها لا تُقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق جدول زمني واضح وتفاصيل معلنة.

وبينما اندفعت بعض الدول إلى توقيع “الاتفاقات الإبراهيمية”، بقيت السعودية مُتمسّكة بمبدئها السياسي والأخلاقي، رافضة المساومة على القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى بند تفاوضي ثانوي. هذه الثوابت لم تكن يوماً موقفاً عاطفيًا، بل رؤية استراتيجية ترى أنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التجاهل أو القفز فوق جوهر الصراع.

وما أدراك ما الصحراء!!
لكن ما لا يدركه سموتريتش هو أنّ الصحراء التي سخر منها، ليست فراغاً من الجغرافيا، بل ذاكرة ممتدة في وجدان أهلها. في الصحراء تشكّلت قيم الكرم والشجاعة والوفاء والصبر، ومنها خرجت القوافل التي ربطت الجزيرة بمشارق الأرض ومغاربها.

في العلا ومدائن صالح (اليمن) والبتراء (الأردن) شواهد ناطقة على أنّ الإنسان العربي بنى في الرمل ما عجز غيره عن بنائه على ضفاف الأنهار، فالصحراء ليست عنواناً للتخلّف، بل هي رمزٌ للقدرة على الصمود والإبداع. إنّها ليست جغرافيا قاسية بقدر ما هي مدرسة للحياة، شكّلت الشخصية العربية على قيم الأصالة والكرامة والإصرار على البقاء.

حتى الجمل، الذي اختاره الوزير الإسرائيلي مادةً للسخرية، هو في الحقيقة رمز للوفاء والتحمل والذكاء في مواجهة قسوة الطبيعة. فقد كان رفيق الإنسان العربي في رحلاته التجارية والثقافية، وأداة لوصل الشرق بالغرب قبل أن تولد فكرة العولمة بقرون. ومَنْ يسخر من “ركوب الجمال” إنما يسخر من رمزٍ لصبر الإنسان وقدرته على التكيّف، وهو ما تفتقده مجتمعات ما زالت تخلط بين التقدّم التقني والنضج الحضاري.

“رؤية 2030”
السعودية اليوم، وهي تخوض مرحلة تحول تاريخي في إطار “رؤية 2030”، لا تتبرأ من صحرائها بل تستلهمها. في مشاريعها الكبرى مثل “نيوم”، “ذا لاين”، “الدرعية” و”العلا”، تحضر الصحراء كعنصرٍ ثقافي وجمالي يعكس روح المكان وعمق التاريخ. بهذا المزج بين الحداثة والأصالة، تقدّم المملكة نموذجاً فريداً لتحديثٍ لا يقطع صلة الرحم مع الجذور، بل يستمد منها الإلهام ليكيّف رؤيته وتصوّره لبناء المستقبل.

أزمة سموتريتش ليست في تصريح عابر، بل في عقلٍ سياسي لا يعرف كيف يفهم الآخر، فالعلاقات لا تُبنى على الصفقات، بل على الاحترام المتبادل والفهم الحقيقي للثقافات، ومَنْ يجهل معنى الصحراء، يجهل روح الخليج، ومَنْ يسخر من الرمل لا يعلم أنه كان مهد الرسالات والحضارات، وعلى أرضه كان ولا يزال مبعث الهوى وموئل الأفئدة إلى “بيت الله الحرام”.

قبل أنْ تتحدّث إسرائيل عن التطبيع، ربما عليها أوّلاً أنْ تتعلّم كيف تحترم الصحراء التي علّمت العرب الكرامة، وكيف تخاطب شعوباً لم تفقد يوماً إحساسها بالعزّة، ولا تقبل أنْ يُختزل تاريخها في نكتة عن “الجِمال والرمال”.

بعد تصريحه عن السعودية.. سموتريتش يُعرب عن "أسفه": "لم يكن موفقا" - CNN Arabic
خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة