خاص شدة قلم: مخاوف من قيادة الحزب الجديدة: إسرائيل تبحث عن “بنك أهداف” غير معروف!

"

أربعة أيام وأكثر، لا يزال طيران الاستطلاع الإسرائيلي من نوع “MK” على انتهاكه لسيادة الأجواء اللبنانية على علو منخفض جداً جداً، ما يجعله مرئيّاً ومسموعاً بوضوح للمدنيين.

هذه التحرّكات، التي قد تبدو للبعض مجرّد استعراض قوة، تحمل في الحقيقة دلالات استراتيجية عميقة تتعلّق بما يمكن تسميته “بنك الأهداف الجديد” لإسرائيل في لبنان. فالواقع أنّ إسرائيل اليوم في موقع قوّة، كونها لم تقصر جهودها على مراقبة حزب الله، بل دخلت في مواجهة مباشرة معه بعد عملية “طوفان الأقصى” و”حرب الإسناد” مع غزة، والتي بلغت ذروتها في عملية “البيجر” خريف 2024.

خلال هذه العملية، قضت إسرائيل على نحو 99% من قيادات الحزب، وعلى رأسهم الأمين العام السابق حسن نصر الله. هذا الواقع خلق فراغاً قياديّاً غير مسبوق داخل الحزب، وأثار مخاوف إسرائيلية بشأن من يقود الآن التنظيم وكيفية تحركه.

القيادة الجديدة: قلق العدو

ما يُشاع عن “إعادة هيكلة قيادة الحزب” بعد هذه الخسائر لم يُعلن بشكل واضح، ولا تعرفها إسرائيل بدقة، وهذا ما يشكّل معضلة استراتيجية، إذ لا تستطيع “الدولة العبرية” التخطيط لاغتيالات دقيقة أو عمليات مُحدّدة إذا لم تعرف وجه القيادة الجديد وتحرّكاتها.

لذلك فإنّ الغموض حول هذه الهيكلية يجعل كل خطوة استخباراتية محفوفة بالمخاطر، وقد يؤدّي أي خطأ فيها إلى تبعات سياسية وعسكرية كبيرة، من هنا يأتي دور طيران الاستطلاع المُعادي، والهدف ليس مُجرّد المراقبة، بل جمع معلومات دقيقة حول القيادات الجديدة ومراكز عمليات الحزب ومخازن أسلحته، فالطائرات المُسيّرة الاستطلاعية تعمل على رسم خريطة استخباراتية جديدة، تمهيداً لأي عملية مستقبلية محتملة، سواء كانت اغتيالات محددة أو ضربات استراتيجية.

سيناريو الاجتياح

إلى جانب الطيران الاستطلاعي، وأخواتها المُسيّرات القتالية وحتى الطائرات الحربية، شرع العدو بتنفيذ مناورات مكثفة على الحدود اللبنانية، تشمل تحرّكات قوّات برية ومُحاكاة سيناريوهات اجتياح محتملة، تعزز الضغط النفسي والاستراتيجي على القيادة الجديدة للحزب.

هذه المناورات لا تُعدّ مُجرّد تدريب عسكري، بل رسالة مزدوجة: اختبار جاهزية القوّات المعادية، وفي الوقت نفسه إرسال تحذير لحزب الله بأنّ إسرائيل قادرة على التحرّك برّاً وجوّاً، وحتى بحراً، إذا ما تصاعدت الأزمة.

والأدهى كان تزامن نشاط الطيران والمناورات مع رسائل سياسية حادّة، عبر التلويح بالحرب، خصوصاً من خلال الموفد الأميركي توم بارّاك، الذي لم يكتف بالتهديد الرمزي، بل توعّد بوضوح، ما يصنّف كلامه جزءاً من استراتيجية متكاملة للضغط على الحزب، خاصة مع الحديث عن أنّ الحزب لم يعد غارقاً في الفراغ القيادي، بل استعاد وعيه، ورتّب بيته الداخلي، وسدَّ فراغات الخيانة والعمالة، وهو ما يعرقل على إسرائيل إدارة الأزمة على هواها استباقاً للتصعيد مفتوح.

السيناريوهات المحتملة

أمام هذا الواقع، يسأل اللبنانيون عن السيناريوهات المحتملة التي تعكسها حراجة المشهد من مواجهة حكومة بنيامين نتنياهو لتحدٍّ استخباراتي حقيقي بعد تغيّر الهيكلية القيادية للحزب، فشرعت بإطلاق طيران الاستطلاع والمناورات البرية والجوية كأدوات أساسية لبناء “بنك الأهداف الجديد” مع التلويح بسيناريوهات الاجتياح، ليكتمل المشهد بالرسائل السياسية والتهديد بالحرب على لسان الإدارة الأميركية.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أنّ إسرائيل توازن بين جمع المعلومات الاستراتيجية، اختبار جاهزية قواتها، وفرض ضغط سياسي على حزب الله، بينما الحزب نفسه يسعى إلى إعادة تنظيم هيكليته دون كشف تحركاته… هذا التوازن الهش قد يحدد مسار أي تصعيد محتمل في الأشهر القادمة.

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة