خاص – “كلن يعني كلن” إنتصروا علينا: بعد الثورة… زمن الردّة

ستة أعوام مضت منذ انتفاضة 17 تشرين 2019 وكأنّها قرنٌ من الخيبات.
ستة أعوام على الشوارع المشتعلة بالأمل، وخروج الناس بأصواتهم المبحوحة، بوجوههم المغسولة بالوجع والكرامة.. ليصرخوا: كفى.
لكن من قال إنّ هذا البلد يسمع؟!
بعد كل تلك الصرخات، أُعيد كل شيء إلى مكانه، وكأنّ الثورة فاصلٍ دعائي بين نشرتين من نشرات الطغيان.
ما الذي بقي من “كلن يعني كلن”؟.. تحوّلت إلى نكتة باهتة يتداولها مَنْ صاروا اليوم “كلن” على طريقتهم.
الذين تَسلّقوا الثورة صاروا “خبراء في الثورة”، يتحدّثون عنها من مقاعدهم الوثيرة، فيما أصحاب الأرجل التي احترقت على إسفلت الساحات يُعدّون خسائرهم، واحدةً تلو الأخرى: ودائعهم، أحلامهم، وظائفهم، حيواتهم.
السلطة لم تتغيّر، بل أعادت تدوير نفسها بمهارة الذئب الذي يبدّل جلده.. والمصارف التي سرقت الناس، صارت تتحدّث عن “خطة إنقاذ”.. أما مَنْ انطفأت أعينهم في الشارع، فصاروا مجرّد أرقام في ذاكرة النسيان.. والإعلام الذي كان يُنقل صورة الثورة مباشرة، تحوّل إلى مهرجان بكاء جماعي على “الاستقرار المفقود”.
وجاءت المصيبة الكبرى: دولة بلا دولة، ومؤسّسات تذوب مثل الثلج، وصدمة نوّاب “التغيير” الذين تغيّروا قبل أنْ يغيّروا شيئاً. صاروا يتنازعون على الكراسي والمواقف أكثر ممّا تنازع أهل المنظومة أنفسهم، فيما الناس تصرخ من الجوع وانقطاع الدواء وانعدام الأمل.
هكذا تحوّلت الثورة إلى ملهاة. إلى شعار يُستحضر في المناسبات، كذكرى عيدٍ فقد معناه. من الثورة إلى الانهيار، من الانهيار إلى اللامبالاة، ومن اللامبالاة إلى قهرٍ صامتٍ لا يملك حتى ترف الغضب.
لقد انتصروا علينا يوم جعلونا نعتاد الذلّ، ونضحك من وجعنا، ونخاف من التغيير كما كنا نخاف من السلطة. وها نحن اليوم، في عام 2025، نعيش على أنقاض الحلم. بلدٌ يتغذّى على الدخان، ويستدين من الخيبة، ويهاجر منه الأمل على دفعات.
مع ذلك، ما زال في هذا الركام شيء يشبه الحياة. شيءٌ يشبه الجمر تحت الرماد. ربما يوماً ما، حين نُشفى من سذاجتنا، وحين نكفّ عن انتظار “المنقذ”، نُعيد إشعال تلك النار من جديد.
لكن هذه المرة، بلا أوهام، بلا زعماء، وبلا كاميرات… ثورة لا تُبَثّ على الهواء… بل تُزرَع في العقول والضمائر… عندها فقط، يمكن أن نقول: ها قد بدأنا من جديد.

خاص Checklebanon



