خاص شدة قلم: شرم الشيخ… اختبار جديد لإرادة السلام في الشرق الأوسط؟!

لم يكن توقيع اتفاقية السلام في الشرق الأوسط بمدينة شرم الشيخ حدثاً عابراً في سجلّ المنطقة المضطربة، بل محطة جديدة في سباق الإرادات بين مَنْ يسعون إلى تثبيت الاستقرار ومَنْ يرون أن ميزان القوة وحده يصنع الواقع السياسي.
ففي ظل تصاعد الأزمات الإقليمية، والتوتّر الدائم بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، لاسيما حركة “حماس” وتنامي الأدوار الإقليمية للدول الكبرى، جاء هذا الاتفاق ليضع الجميع أمام سؤال محوري: هل يمكن أنْ يتحول الحبر على الورق إلى سلامٍ فعليٍّ يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
الاتفاق حمل وعوداً كثيرة، لكنه في المقابل أفرز هواجس عميقة، خاصة مع غياب بعض الأطراف الأساسية عن المشهد، وفي مقدمتهم لبنان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما جعل التساؤلات كثيرة عن مدى صدقية الالتزام وجدية التطبيق.
إلى جانب ذلك، يبرز العامل الاقتصادي كأحد مُحدّدات نجاح الاتفاق أو فشله، إذ يدرك الجميع أنّ الاستقرار السياسي لا يمكن أنْ يستمر دون تنمية اقتصادية حقيقية تُحسِّن من حياة الناس وتخفّف من بؤر الفقر والبطالة التي لطالما كانت وقوداً للتوتر، فالمساعدات الدولية والاستثمارات المُنتظرة قد تتحوّل إلى رافعة للسلام إذا ما وُظِّفت بشفافية، لكنها قد تُصبح عبئاً جديداً إذا استُخدمت في لعبة النفوذ والمصالح.
كما أنّ الموقف العربي “الجماعي”، سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مآلات المرحلة المقبلة، فإمّا أنْ تتوحّد المواقف خلف “رؤية سلام شاملة” تضمن الحقوق الفلسطينية وتُعيد الثقة إلى الشارع العربي، وهو ما تقوده المملكة العربية السعودية من خلال إما “المبادرة العربية للسلام” أو من خلال “مؤتمر حل الدولتين”، والاثنان معاً يتقاطعان عند الدولة الفلسطينية المُستقلة.
ورغم الزخم الدبلوماسي والرمزية الكبيرة لمؤتمر شرم الشيخ، يبقى السؤال الجوهري: هل يعيش الشرق الأوسط سلاماً فعلياً؟ الوقائع التاريخية لا تبعث على التفاؤل المطلق، فالسلام لا يُصنع بالوثائق فقط، بل يحتاج إلى توازن قوى جديد وثقة متبادلة، وهما عنصران لا يزالان غائبين. كما أنّ الاستقطاب داخل إسرائيل والانقسام الفلسطيني يشكّلان عائقين كبيرين أمام استدامة الاتفاق.
إنّ اتفاقية شرم الشيخ للسلام، مهما كانت طموحاتها، تبقى اختباراً صعباً لإرادة الأطراف كافة، فَالمعادلة الإقليمية لا تزال معقّدة، والذاكرة السياسية للمنطقة مثقلة باتفاقيات وُقّعت بحماسة وانتهت إلى خيبات. ومع ذلك، فإنّ مُجرّد جلوس الخصوم إلى طاولة واحدة يشكّل نافذة أمل في جدار الصراع الطويل، قد تتسع إذا ما اقترنت النوايا بالخطوات الملموسة على الأرض.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الأطراف على تحويل لحظة التهدئة إلى مسار دائم من التفاهمات، فإما أن تكون شرم الشيخ بداية طريقٍ نحو شرق أوسط أكثر استقراراً، أو مجرّد فصل جديد في كتاب الأزمات المفتوحة.

مصطفى شريف – مدير التحرير



