خاص – “الأخبار” و”نداء الوطن”: وجهان للحرية الممنوعة!!
الأولى تلبس عباءة المقاومة... والثانية ثوب السيادة

في لبنان، ما زالت الكلمة تُعامل كما يُعامل المتهم: يُسمح لها بالتنفس حتى تُصبح خطرة، ثم تُكمم. فالصحف عندنا لا تَخون مبادئها، بل تُعيد تعريفها وفق المصلحة، والحرية فيها تُمنح بالقطارة، وتُسحب دفعةً واحدة حين تُلامس الحقيقة. لذلك لم يُفاجأ أحد كثيراً حين أعلنت صحيفة “نداء الوطن” وقف تعاونها مع الكاتب الجامعي والسياسي مكرم رباح، لا لأنه أخطأ، بل لأنه كتب بجرأةٍ أكبر من المسموح بها في “نادي الآراء المقبولة”.
منذ لحظة التأسيس، قدّمت “نداء الوطن” نفسها كصوت السيادة والعقلانية وواحةٍ لحرية الرأي، لكنها على ما يبدو وقعت في الفخ ذاته الذي لطالما انتقدته: فحين وصل القلم إلى تخوم “الرئاسة الأولى” و”صخرة الروشة” ومرّ بمحاذاة اسمٍ محظور ذكره دون تبرير، تحركت هواتف النفوذ، واهتزّت الحيادية المفترضة، ثم جاء القرار المغلف بعبارة دبلوماسية: “نتمنى لك كل الخير والتوفيق”. جملة لطيفة… ولكنها تحمل في طيّاتها من الخنق أكثر مما في أي بيان منعٍ رسمي.
في المقابل، صحيفة “الأخبار” لا تُتعب نفسها بإخفاء انحيازها. هي تعرف موقعها، ومَن تخدم، ومتى ترفع سيفها ومتى تُنزله. إنها تُعلن ولاءها لمحور المقاومة علناً، وهذا على الأقل نوع من الصراحة، وإن كان مؤلماً. أما “نداء الوطن”، فتمارس الرقابة بلباقة، وتُسكِت الصوت المختلف بابتسامة، وتضع القيد حول المعصم بـ”احترام السيادة”. الفرق الوحيد أن الأولى تُخرسك بالضجيج، والثانية تُخرسك بالكياسة.
الطرفان، رغم كل الادعاءات المتناقضة، يشتركان في أصل الداء: الخوف من الكلمة. كلاهما يخشى المقال الذي يخرج عن السطر، ويخاف من كاتبٍ لا يتلقى الإملاء من “الجهة العليا”، أكانت جهة حزبية أم سلطوية. كلاهما يسوّق نفسه كمنبرٍ للحق، لكنه حين يُختبر، يفضّل الصمت على المواجهة، والإقصاء على النقاش، والمجاملة على الموقف.
هكذا، تصبح الحرية في لبنان ترفاً إعلامياً يُستحضر في المناسبات ويُنفى في الممارسة. تُكتب عنها البيانات، وتُلقى باسمها الخطب، لكنها تختفي كلما اقتربت من “منطقة نفوذ”، فـ”نداء الوطن” و”الأخبار” تتبادلان الأدوار على مسرح واحد: الأولى تلبس ثوب السيادة، والثانية عباءة المقاومة، لكنهما تلتقيان في عمق المشهد حيث يجلس الخوف ممسكاً بالمِقَصّ ذاته.
ليست المشكلة في مَنْ يحكم، بل في مَنْ استبطن عقل الحاكم، فصار يمارس سلطته الصغيرة على المقال والرأي والنص. في هذا البلد، الرقابة لا تأتي بقرار رسمي، بل بضحكة مجاملة، وبعبارة “ليس الوقت مناسباً”، وبمكالمة من صديقٍ نافذ يذكّرك بـ”الخط الأحمر”. وهكذا يُكمّ الصوت الحرّ بأدبٍ جمّ، ويُنفى الكاتب بنعومة، فلا تُسمع صرخته إلا صدى.
في النهاية، كل مَنْ “يخاف الكلمة لا يكتب صحافة”، بل يرسم حدود سجنه بالحبر ذاته الذي يُفترض أن يحرّره. أما الحرية، فهي لا تحتاج إلى شعارٍ أو محورٍ أو جريدةٍ تُنادي بها… بل إلى مَنْ يجرؤ أن يدفع ثمنها دون أن يطلب مكافأة.
خاص Checklebanon
******************************
هذا ما كتبه حرفيا مكرم رباع على صفحته على الفايسبوك:
تم إبلاغي صباح اليوم من رئيس تحرير نداء الوطن، بقرار وقف التعاون معي، متمنياً لي “كل الخير والتوفيق”. جاء ذلك بعد حجب مقالي الأسبوع الماضي الذي تناول، بوضوح ومسؤولية، أداء الرئاسة الأولى وقيادة الجيش في ما يتعلّق بحزب الله وصخرة الروشة.
https://www.alraimedia.com/…/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7…
منذ البداية، كان قراري بالكتابة في نداء الوطن مبنياً على قناعة، تبيّن لاحقاً أنها واهية، بأن هذه الجريدة قد تشكّل مساحة حقيقية لحرية الرأي، ونموذجاً ليبرالياً في الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية. تمسّكتُ بالاستمرار فيها بناءً على إلحاح عددٍ من الأصدقاء الذين رأوا فيها منبراً ضرورياً في معركة الحريات. لكن ما تكرّس اليوم يؤكد أن المشكلة في لبنان ليست في السلطة وحدها، بل في كل من استبطن عقل السلطة وتصرّف كظلٍّ لها.
حجب مقالي لم يكن خطأً تقنياً ولا سوء تقدير. كان رضوخاً مباشراً لمكالمات هاتفية من أصحاب النفوذ، وقراراً سياسياً هدفه إسكات صوتٍ لا يساوم. المفارقة أن المقال الذي اعتُبر “جارحاً” لكرامة المواقع الرسمية نُشر لاحقاً في وسيلة إعلامية عربية مشهود لها بالحرية والمناقبية، فيما الإعلام اللبناني، الذي يتغنّى بالسيادة، أُخضع مجدداً لامتحانٍ أخفق فيه.
في مكتبي في الجامعة صور أصدقائي لقمان سليم وسمير قصير، اللذان دفعا حياتهما ثمناً للحقيقة، وأرففٌ من الكتب التي توثّق تاريخ نضال شعبنا ضد القمع والتواطؤ والصمت.
لذلك لن أبدّل موقفي ولن أساوم على قناعتي: لا قدسية إلا للعقل، ولا حصانة إلا للحريات.
فمن يختار الصمت على حساب الحرية، لا يكتب صحافة، بل يرسم حدود سجنه بيده.
الخوف لا يحمي أحداً… والحرية وحدها تليق بلبنان



