مجزرة بنت جبيل بين عدوانية إسرائيل واستثمار “الممانعة”… عبر تكميم الأفواه بغطاء “الدم البريء”!

لا يختلف لبنانيان أو إنسانان، على هول مجزرة بنت جبيل. صورة عائلة شادي شرارة الجميلة ووجوه أطفاله الملائكية، كفيلة بإحراق القلوب وتأجيج مشاعر الحزن والالتفاف. اللبنانيون بطبعهم عاطفيون، يغلب عليهم الإحساس بالخير والحُسنى. فعلى الرغم من المسافات البعيدة بينهم سياسيًّا وعقائديًا، إلا أن التضامن والتآزر حيّان في أخلاقهم وعاداتهم.
شادي كان رجل أعمال يملك معرض سيارات في صور. زرع صداقاته في العديد من القرى، ومنها البلدات المسيحية في قضاء بنت جبيل. زوجته أماني بزي تخرّجت من جامعة الروح القدس – الكسليك، فرع رميش. عائلتا شرارة وبزي، كغيرهما من العائلات الـ “بنت جبيلية”، معروفتان بعلاقاتهما الطيبة مع مختلف المكونات الجنوبية. طابع المدينة الاقتصادي والتجاري منحها صفات الانفتاح والميل نحو الاستقرار. مع فتح “معركة الإسناد”، حاولت فاعلياتها تجنيب عاصمة الشريط الحدودي، ارتداداتها وعدم تحويلها إلى ساحة احترابٍ، تجنّبًا لتكرار تجربة تموز 2006، حيث نالت ما يكفي من القصف العنيف وهدم منازلها وأسواقها العريقة. مع العلم أنّ حرب الـ 2006، التي استندت إلى شعار “تحرير الأسرى والمعتقلين”، لاقت قبولًا داخل بيئة “حزب الله”، وحظي الأخير بتأييد عربي رسمي وشعبي. أما حرب “الإسناد”، فلم يرَ الناس فيها هدفًا يعنيهم، ولا مصلحة وجودية أو حتى طائفية تبرر الانجرار وراء الخراب. وهذا الرفض، الذي بقي صامتًا في البيوت، وصريحًا في بعض الهمسات، يدركه “الحزب” جيّدًا.
إذًا، لا خلاف بين اللبنانيين بشأن توصيف الوحشية الإسرائيلية في حروبها الاستباقية أو الهجومية دفاعًا عن “أمنها ووجودها” كما تزعم. لكن من حقّ اللبنانيين بل من واجبهم، أن يطرحوا جدوى الحرب التي فتحها “حزب الله” الذي سوّق لنفسه طيلة السنوات الماضية، بأنه ضابط الاشتباكات والحسابات والاستراتيجيات. والإفادة من تمسّكه بسلاحٍ لم يردع ولم يحمِ ولم يصن. بل جلب أكبر كارثة قتل وتهجير بحقّ الشيعة أولًا في تاريخ جبل عامل.
الدعوات المتكررة لـ”حزب الله” بضرورة تسليم سلاحه ونزع الحجج من يد إسرائيل، لا تعني خيانة أو استثمارًا في البازارات الداخلية. “العتاب السياسي” لا يُقلّل من الاحترام لدماء الضحايا، بل هو ضرورة إنسانية ومصلحة وطنية. مساءلة أصحاب القرار، مهما كانت “قدسيتهم” المفترضة، لا تنتقص من “الشهداء”، بل تسعى إلى حماية ما تبقّى من الأرواح.
“المقاومات” التي تُقدّر شعوبها لا تُحصّن قادتها وقراراتهم وراء ستار “المقاومة”. في أعتى الديمقراطيات، تُفتح التحقيقات في أوقات الصعاب. الولايات المتحدة مثلًا، شكّلت لجانًا لمحاسبة المسؤولين عن أخطاء حرب العراق، وبريطانيا استدعت رئيس وزرائها الأسبق توني بلير للاستجواب بشأن الحرب نفسها. وفي إسرائيل (إعرف عدوّك وتعلّم منه)، لا تمرّ أي حرب من دون تحقيق داخلي أو لجنة فحص. حتى نتنياهو الذي يعتبره العديد من الإسرائيليين “بطلًا تلموديًّا بمهمّة عظيمة” وفق مفهوم هؤلاء، خضع للتحقيق أكثر من مرّة في حمأة أكبر حرب يقودها بتاريخ إسرائيل.
أما في لبنان، فـ “الممانعة” تريد مصادرة النقاش، ووصم كل من يسأل بأنه “خائن” أو “عميل”. بالتالي إنّ الاستغلال أو الاستثمار السياسي الحقيقي للفاجعة هو في تكميم الأفواه بغطاء “الأخلاق والدم البريء المسفوك”. لكنها في الحقيقة، ليست سوى وسائل قمعية. هذه العقلية المعلّبة، المستوحاة من أدبيات الأنظمة السوفياتية والبعثية والفاشية، تعتبر أن مجرّد انتقاد “الحزب” وتحميله ترددات الحرب التي فتحها، هو تبرير لإسرائيل واصطفاف مع العدوّ. كأن الإنسان ممنوعٌ من أن يجمع بين إدانة الجريمة ومن ارتكبها من جهة، وتحميل المسؤولية لمن استجلبها من جهة أخرى. أبسط قواعد السياسة، تفترض أن المسؤول، لا يُحاسب فقط على قراراته، بل على تبعاتها، والكلفة التي يدفعها الناس بسببه.
طوني عطية- نداء الوطن


