خاص – قاسم يناشد أو يناور؟!.. والمملكة ترفض أو تتجاهل؟!

على ما يبدو أنّ الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عاد إلى أرض الواقع، ولم يعد مُحلقاً في دنيا الأحلام أو توقّف به الزمن عند تموز 2006، ففي خطاب “قد لا يكون مُفاجئاً للبعض” وقد يكون أكثر من مفاجئ لآخرين، وجّه سلسلة من الإشارات الاستراتيجية إلى المملكة العربية السعودية، مُناشداً “فتح صفحة جديدة مع المقاومة”، نتيجة قراءة في الواقع الجديد لمعادلات الإقليم.
هذه الدعوة ليست مجرد تصريح تقليدي، بل تعكس رغبة الحزب، في إعادة رسم خطوط تأثيره خارج لبنان، نحو “الأصيل” السعودي، بعيداً عن الوكيل “السنّي” الذين اعتاد التعامل معهم، ناهيك عن أن توقيتها ارتبط بوضوح بمواقيت اتفاق الدفاع السعودي – الباكستاني، موصولاً بالهجوم الإسرائيلي على قطر، الذي أعاد توجيه الأنظار إلى تهديدات الأمن الخليجي، رغم التقارب الإيراني – السعودي الذي بدأ يلوح في الأفق كفرصة سياسية للحزب لإعادة ترتيب أوراقه.
معادلة القوة!!
تحمل الدعوة 6 مبادئ واضحة المعالم، تعكس عقلية الحزب العملية والسياسية في الوقت نفسه، فالحوار يجب أنْ يُعالج المخاوف ويضمن المصالح، إضافة إلى التركيز على مواجهة العدو الإسرائيلي، مع التنويه إلى ضرورة عدم الخوف من “سلاح المقاومة”، لأنّه “تاب عمّا اقترفه منذ اندلاع الخريف العربي”، بحيث لن يعود إلى توجيه سلاحه لا إلى الداخل اللبناني ولا إلى أي دولة عربية، بل سيكون ضد إسرائيل وحدها دون سواها، لذلك فإنّ الضغط على “المقاومة” لن يخدم إلا مصالح العدو، وغيابها يعني التوسع الصهيوني وصولاً إلى “إسرائيل الكبرى”.
هذه المبادئ ليست نظرية فقط، بل تعكس محاولة الحزب لوضع نفسه كفاعل أساسي في أي صياغة مستقبلية للأمن الإقليمي، محاولاً قراءة “معادلة القوة” من منطلق النفوذ الإقليمي المباشر، وليس من خلال رمزية الداخل اللبناني، الذي لطالما كان شعاره “قوة لبنان في ضعفه”، حتى حوّله هذا الضعف إلى لقمة سائغة للخارج والقوى المدعومة بالسلاح في الداخل.
الرياض في وادٍ آخر
لكن ما يثير الانتباه هو التحدّي الأكبر: هل السعودية مستعدة للانخراط في هذا الحوار؟!، الواقع يشير إلى أنّ الجواب سلبي على المدى القصير. فالرياض، رغم الانفتاح المحدود على إيران في السنوات الأخيرة، تبقى حذرة جدّاً تجاه الحزب، ليس فقط بسبب الضغوط الأمريكية، بل أيضاً بسبب البيئة الداخلية اللبنانية الممانعة، التي لم تتوقّف عن توجيه الشتائم والهجوم على المملكة ورموزها..
هذه البيئة تشكّل بحد ذاتها عاملاً نفسيّاً وسياسيّاً مُعقّداً، يجعل قبول السعودية بالدعوة أشبه بالمستحيل، مهما كانت الرسائل المُعلنة عن التقارب الإقليمي، لأنّ زمن العداء مع إيران لم يصل إلى حد الشتم والإهانات والتطاول على القيم والمقامات، وحتى مع كل الإشارات الرمزية، فإنّ فتح صفحة جديدة يحتاج إلى تجاوز خطوط حمراء صارمة تبقى السعودية متحفّظة عليها…إضافة الى ان المملكة تتعامل “من دولة… الى دولة (ولن تقبل ان يضع الحزب نفسه بمصاف الدولة).
مناورة لن تُفلح!!
تبدو الدعوة بمثابة مناورة تكتيكية أكثر منها خطوة عملية للتقارب، فالحزب يختبر هنا قدرة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على تجاوز الضغوط الداخلية والخارجية، ويختبر أيضاً مدى تأثيره الرمزي والسياسي في المنطقة.
لكن الرسالة الأقوى هي للجمهور الداخلي: الحزب يدّعى أنّه المُتحرّك استراتيجياً، والقادر على التفاعل مع التحوّلات الإقليمية، بينما يضع السعودية أمام اختبار سياسي حقيقي: هل ستقبل الانخراط في حوار مع قوّة يُنظَر إليها على أنّها “ميليشيا” ومصنفة “ارهابية” في بعض الدول؟
أمام هذه المشهد، الواقع على الأرض يفرض قيوداً واضحة: السعودية لن تتجاوز الخطوط الحمراء، والبيئة الممانعة لن تتراجع عن مواقفها، مما يجعل أي فتح حقيقي للصفحة الجديدة مشروطًا بتحولات أكبر وأكثر تعقيداً في المنطقة.
خاص Checklebanon



