خاص – من “HAWK III” إلى وعود “بلوك 9”: مغارة وزارة الطاقة وفضائح الفساد !

لا يختلف اثنان في لبنان على أنّ ملف الطاقة يشكّل أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل، فالأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة جعلت من هذا القطاع مسرحاً للتجاذبات والمصالح، بينما يدفع المواطن الثمن الأعلى، وآخر فصوله قضية الباخرة “HAWK III”، التي حاولت الهروب من المياه الإقليمية اللبنانية، فسطّرت مؤشّراً جديداً على حجم الفوضى والفساد، وأعادت تسليط الضوء على واقع قطاع يُفترض أن يكون رافعة للاقتصاد، فإذا به يتحول إلى عبء دائم.

فضيحة تختصر الواقع
ظهور باخرة محمّلة بفيول أويل B، مُخصّصة لمؤسّسة كهرباء لبنان، ومعها مستندات مشبوهة حول المنشأ، فتح الباب على أزمة جديدة. الفحوص المخبرية الخارجية أكدت مطابقة الشحنة للمواصفات، لكن محاولة هروب السفينة بشكل غير قانوني وضبطها على بعد 30 ميلاً بحرياً من الشاطئ اللبناني، بعد مواجهة أُصيب خلالها ثلاثة عسكريين، أظهرت أنّ المشكلة لا تتعلق بجودة الفيول فقط، بل بضعف الرقابة، تضارب الصلاحيات، وغياب الشفافية في إدارة قطاع الطاقة.

هذه الحادثة عكست بوضوح كيف تتداخل مصالح التجّار مع عجز الدولة، ليصبح الأمن البحري والجيش طرفاً في معركة مرتبطة مباشرة بالكهرباء.

يأتي ذلك بعد سنوات على الضجيج الإعلامي الذي رافق جولات التراخيص للتنقيب عن النفط والغاز، بينما الواقع يؤكد أن الاستثمارات الفعلية شبه معدومة، باستثناء البلوك رقم 9 الذي يُديره كونسورتيوم “توتال – إيني – قطر إنرجي”، وبقية المشاريع علّقت بسبب غياب بيئة قانونية مستقرة، وعدم وجود ضمانات سياسية أو اقتصادية، ما يجعل لبنان في موقع المتفرج على ثرواته.

الطاقة المتجددة والعطب المزمن
يُضاف إلى ذلك أنّه في عام 2024، أُقرّ قانون لتنظيم قطاع الطاقة المتجدّدة، لكن التنفيذ بقي رهينة تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء، وهو ما لم يحدث حتى اليوم. هذه الثغرة تكشف أن المشكلة ليست في غياب التشريعات، بل في غياب المؤسسات القادرة على تطبيقها. النتيجة: مشاريع الطاقة النظيفة مؤجلة، والاستثمارات في هذا المجال غائبة.

ولا يمكن الحديث عن أي “إصلاح طاقوي” من دون معالجة انهيار شبكة الكهرباء، لكن الخطط الحكومية لم تتجاوز الورق، والانقطاعات اليومية ما زالت واقعا، ما يجبر المواطن على اللجوء إلى المولدات الخاصة بتكاليف مضاعفة. الإصلاح المطلوب لا يتحقق في ظل استمرار المحاصصة السياسية، التي تتعامل مع الكهرباء كغنيمة وليست كخدمة عامة.

مغارة وزارة الطاقة
من فضيحة “HAWK III” إلى مشاريع النفط المجمّدة، ومن قوانين الطاقة المتجددة المعلقة إلى شبكة الكهرباء المتهالكة، يتضح أن قطاع الطاقة في لبنان محكوم بمعادلة الفساد والجمود. المعضلة الأساسية ليست تقنية ولا مالية بقدر ما هي سياسية ومؤسساتية: غياب الإرادة، تفكك الدولة، وتغلغل المصالح.

لذلك، سيبقى مصير الطاقة في لبنان معلقاً في مغارة وزارة لا تعرف سوى التأجيل والسلب، مهما تبدّل وزراؤها، فيما المواطن يبقى الحلقة الأضعف، يدفع الفاتورة مرتين: مرة من جيبه، ومرة من مستقبل بلده المرهون.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة