رئاستا المجلس والحكومة: علاقة جدلية وشراكة مضطربة منذ الطائف… ونواف سلام “الاختبار الأصعب”!

من الترويكا إلى الشراكة القسرية...

منذ اتفاق الطائف عام 1989، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة أعادت رسم توازنات السلطة. فالرئاسة الأولى فقدت جزءًا واسعاً من صلاحياتها التنفيذية لمصلحة مجلس الوزراء، وهذا ما رفع من شأن رئاسة الحكومة باعتبارها المعبر الأقوى عن الحضور السني في السلطة. في المقابل، لم يعد موقع رئاسة مجلس النواب مجرد إدارة للجلسات التشريعية؛ بل تحول مع الرئيس نبيه بري، منذ انتخابه عام 1992، إلى ركيزة أساسية في صناعة القرار، وفاعل سياسي يوازي في تأثيره رئيسي الجمهورية والحكومة.

هكذا وُلدت صيغة جديدة: ثلاثة رؤساء شركاء في الحكم، تتقاطع صلاحياتهم وتتصادم أحياناً، وهو ما جعل لبنان البلد الوحيد تقريباً الذي يزور فيه أي مسؤول خارجي الرؤساء الثلاثة معاً، كأن النظام الدستوري لا يكتمل إلا بهذا التوازن الرمزي والفعلي في آنٍ معاً.

لكن داخل هذه المعادلة، كانت العلاقة بين الرئاسة الثانية (المجلس النيابي) والرئاسة الثالثة (الحكومة) هي الأكثر حساسية؛ لأنها تجمع بين قطبين طائفيين وسياسيين متمايزين: المكوّن الشيعي ممثلاً ببري، والمكوّن السني ممثلاً برئيس الحكومة. هذه العلاقة لم تُبْنَ يوماً على ودّ شخصي أو انسجام سياسي خالص؛ بل على توازنات دقيقة تحكمها لحظة داخلية أو معادلة إقليمية، تجعلها أحياناً شراكة مضبوطة، وأحياناً أخرى صراعاً مفتوحاً.

من الترويكا إلى الشراكة القسرية

في التسعينيات ومع بداية الألفية، سادت ما سُمّي بـ”الترويكا” بين الرؤساء الثلاثة: الجمهورية والحكومة والمجلس. كان الهدف الظاهر هو التعاون على إدارة الدولة، لكن النتيجة الفعلية كانت نظاماً موازياً للدستور، أتاح المحاصصة وتقاسم مواقع الدولة عبر استخدام كل رئيس موقعه لفرض توازن على الآخرين.

في هذا السياق، طبعت العلاقة بين الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري مراحل من التعاون المحسوب. احتاج الحريري إلى بري لتأمين الغطاء التشريعي لمشاريعه الاقتصادية والمالية، في حين احتاج بري إلى الحريري لتثبيت حضوره في المعادلة التنفيذية، وموازنة نفوذ رئيس الجمهورية الياس الهراوي، ولاحقاً إميل لحود.

لكن هذه العلاقة لم تخلُ من التباين. ففي بعض المحطات، وقف بري في وجه مشاريع الحريري، ولا سيما حين شعر أن رئاسة الحكومة تحاول الانفراد بالقرار. ومع ذلك، بقي الحريري يدرك أن بري ليس خصماً عابراً؛ بل شريكاً إلزامياً في أية تسوية.

بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005، تغيرت المعادلات السابقة، وإن بقي بري اللاعب الأقوى والأرسخ في أية معادلة تُرسي قواعدها وفق شخصية كل من رئيسي الجمهورية والحكومة.

مع الرئيس فؤاد السنيورة بدأت العلاقة هادئة في بدايتها، من دون مطبات علنية، حتى وقعت حرب تموز 2006، حينها تجلت براعة بري في اللعب على التوازنات. كان صلة الوصل بين حزب الله والسنيورة الذي تولى المفاوضات في المحافل الدولية للتوصل إلى القرار 1701 لوقف الأعمال القتالية. حينها لقب بري حكومة السنيورة بأنها حكومة المقاومة.. لكن زمن الوفاق لم يدم طويلاً، فكانت استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة على خلفية رفضهم المحكمة الدولية للبت بجريمة اغتيال رفيق الحريري. ثم كان تعطيل جلسات البرلمان لسنوات طويلة بين 2006 و2008؛ حين اعتبر بري أن إقرار القوانين في ظل غياب المكوّن الشيعي يمسّ بالميثاقية. كما ظهر ذلك في مواقف أخرى: النقاشات حول المحكمة الدولية، والاعتصام مع الحزب وباقي أطياف الممانعة وسط بيروت، وتطويق السراي الحكومي، ثم 7 أيار واقتحام الحزب بيروت عسكرياً بالتعاون والتكافل مع “حركة أمل”. لتنتهي هذه المرحلة مع اتفاق الدوحة الذي أنهى شلل مجلس النواب، لينتخب ميشال سليمان خلفا لإميل لحود في رئاسة الجمهورية.

مع وصول سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، دخلت العلاقة مع بري مرحلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، حاول بري أن يظهر وفاءً شخصياً عبر وصف سعد بأنه “وديعة والده”، ومن جهة أخرى لم يتردد في الدخول معه في صراعات مفتوحة، خصوصاً في لحظات الاستقطاب الحاد بين محور 8 آذار و14 آذار.

ولطالما وقف بري إلى جانب حلفائه في وجه حكومات الحريري. ومع ذلك، كان الرجلان يعودان إلى طاولة التفاوض عند كل أزمة كبرى، من اتفاق الدوحة إلى التسويات التي سمحت بفرض رؤساء للجمهورية، وتشكيل الحكومات.

نجيب ميقاتي: شريك التوازن المرن

على الضفة الأخرى، شكّلت تجربة الرئيس نجيب ميقاتي نموذجاً مختلفاً في علاقة بري برئاسة الحكومة. فميقاتي قدّم نفسه دائماً بوصفه ”وسطياً” قادراً على التواصل مع مختلف القوى. هذا التموضع ساعد على تخفيف حدة المواجهة مع بري؛ إذ لم ينظر إليه بوصفه خصماً سياسياً مباشراً كما كان الحال مع فؤاد السنيورة أو سعد الحريري.

في حكومة 2011، التي جاءت إثر إسقاط حكومة الحريري بفعل استقالة الثلث +1، وجد بري في ميقاتي شريكاً مقبولاً لإدارة مرحلة حساسة، خصوصاً مع رعاية حزب الله وحلفائه لهذه الحكومة. استفاد بري من براغماتية ميقاتي، ومن رغبته في تجنّب الصدام، فكانت العلاقة قائمة على نوع من “شراكة الإدارة”: تفاهم ضمني على تمرير ما هو ممكن، وضبط إيقاع الخلافات كي لا تتحول إلى مواجهة مفتوحة.

حتى في تجربته الثالثة بعد العام 2021، حين واجهت البلاد فراغاً رئاسياً وانهياراً مالياً غير مسبوق، بقي ميقاتي بالنسبة لبري خياراً أفضل من فراغ حكومي. إذ استطاع رئيس المجلس أن يحافظ عبره على استمرارية المؤسسات ولو بالحد الأدنى، في الوقت الذي كان فيه الانقسام السياسي يمنع أية تسوية شاملة. هذه العلاقة كشفت كيف يفضّل بري التعامل مع رئيس حكومة براغماتي يوازن بين القوى، على أن يواجه رئيساً يحمل مشروعاً إصلاحياً جذرياً قد يمسّ بدوره أو بدور حلفائه. أما مع تمام سلام، فقد كانت العلاقة “مدوزنة” مع هبات ساخنة إذا جاز التعبير، ربما لأن المناكفات في حينه كانت بين سلام ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل؛ بسبب شهية الأخير المفتوحة على السلطة.

اختبار حسان دياب

لم يقتصر الأمر على زعامات الحريري الأب والابن أو الوسطية الميقاتية. تجربة الرئيس حسان دياب (2020) كشفت هشاشة التوازن أكثر من أي وقت آخر. دياب حاول أن يقدم نفسه بصفته خياراً مستقلاً. لكنه عندما تجرأ على مقاربة ملف حساس مثل قانون الانتخابات، اصطدم مباشرة ببري الذي رأى في الأمر مسّاً بجوهر المعادلة.

لم يتردد بري في تعطيل مشاريع دياب، والتلويح بعدم التعاون معه، في حين شعر رئيس الحكومة أنه محاصر سياسياً ودستورياً. النتيجة كانت واضحة: حكومة سقطت سريعاً تحت ضغط الشارع والأزمات المالية والسياسية وانفجار مرفأ بيروت، لكنها أيضاً سقطت بفعل عجزها عن التكيّف مع صيغة الشراكة القسرية التي فرضها بري على كل من سبقه.

نواف سلام: الاختبار الأصعب

اليوم، مع وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، تبدو العلاقة أمام اختبار مختلف كلياً. سلام لا ينتمي إلى “الترويكا” ولا إلى شبكات الزبائنية التقليدية؛ بل يأتي بخلفية دبلوماسية وقضائية، وبخطاب إصلاحي يضعه في تضاد مع منطق التسويات الذي اعتاد بري أن يكون ضابط إيقاعه.

تقول مصادر متابعة لـ”المدن” إن الرئيس سلام “متمسك بالدستور والطائف وليس بالترجمة الخطأ للوصاية السورية، وهو رافض للترويكا، لذلك لا يحضر اجتماعات ثلاثية إلا في حال الأحداث الاستثنائية”. وتضيف أن سلام “ينطلق من الدستور للحفاظ على صلاحيات رئاسة الحكومة، لذلك هو مع تعزيز نظرية الفصل بين السلطات، وعدم تدخل رئيس مجلس النواب بعمل الحكومة، أو محاولة فرض مسارها وجدول أعمالها، بخلاف ما كان الوضع سابقاً”.

بهذا المعنى، ليست العلاقة بين بري وسلام خلافاً سياسياً ظرفياً يمكن حله بتسوية عابرة؛ بل هي تناقض في فلسفة الحكم: رئيس حكومة يسعى إلى إرساء قواعد مؤسساتية صارمة، ورئيس مجلس نيابي بنى دوره على تثبيت الميثاقية والوساطة والمرونة في التوازنات.

نحو إعادة تعريف الشراكة

خلاصة التجارب كلها، من رفيق الحريري إلى نواف سلام، أن العلاقة بين بري ورؤساء الحكومات لم تكن يوماً ثابتة. هي علاقة قائمة على ميزان القوى الذي يفرض على الطرفين التعايش، لكن ضمن صيغة أشبه بـ”هدنة متحركة”: أحياناً تُترجم شراكةً ضرورية، وأحياناً تتحول إلى تعطيل أو مواجهة.

ومع نواف سلام تحديداً، يواجه هذا التوازن أخطر اختباراته منذ الطائف. فالصراع لم يعد على حجم المشاركة في القرار فقط؛ بل على تعريف السلطة التنفيذية بحد ذاتها، وعلى مستقبل “شراكة الطائف” التي صمدت ثلاثين عاماً وسط حروب صغيرة وكبيرة، لكنها اليوم أمام معادلة قد تفتح الباب إما إصلاحها أو انهيارها.

ابراهيم الرز- المدن

مقالات ذات صلة