خاص شدة قلم: لبنان مخطوف.. الدولة أسيرة السلاح والميثاقية رهن الانسحابات!

لم تحمل جلسة بعبدا الوزارية، اول من أمس، أي جديد، سوى تكريس الانقسام، لتُضاف إلى محطات الانسحاب الوزاري والاشتباك السياسي، إثر مُسارعة “وزراء الممانعة” إلى المغادرة – وهذه المرّة بصحبة “الوزير الملك” فادي مكي – احتجاجاً على مناقشة خطة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة، ملوّحين بـ”الميثاقية” كأداة تعطيل، فيما الحقيقة أنّ “السلاح خارج الدولة” لا يزال يختطف قرار الحكومة ويشل مؤسّساتها منذ سنوات.

خطة سرية.. ولكن!!
الخطة التي قدّمها الجيش، وتقرّر إبقاؤها سرّية، جاءت لتؤكد المعضلة: الدولة تسعى لحصر السلاح بيدها، لكن التنفيذ سيجري على مراحل ومن دون جدول زمني. هذه الصيغة الغامضة طرحت علامات استفهام كثيرة حول العجز أمام سطوة الحزب، وإمكانية أنْ تراكم الحكومة بياناتها الإنشائية لتغطية تقاعسها.

في المقابل، رَفَضَ “حزب الله” وحركة “أمل” مجرّد النقاش بخطة الجيش من دون ضمانات مزدوجة: وقف الاعتداءات الإسرائيلية واتفاق داخلي يضمن “الحماية”، لكن هذا الشرط ليس إلا ذريعة لإبقاء السلاح خارج سلطة الدولة، فإسرائيل لم تتوقّف يوماً عن خرق السيادة منذ اتفاق وقف النار، ومع ذلك استُخدِم السلاح داخلياً لترجيح كفة سياسية وتعطيل استحقاقات، وربط مصير لبنان بقرار إسرائيل أشبه برهن الدولة كلها لمعادلات إقليمية.

لا حوار مع السلاح بمواجهة “الميثاقية”
القوى المعارضة لهيمنة الحزب ترفض أي حوار جديد، بعدما جُرّب مراراً وانتهى بالفشل، فكيف يمكن لحوار أنْ ينجح فيما طرف واحد يضع سلاحه فوق الدستور والمؤسسات؟ بالنسبة لهذه القوى، العودة إلى طاولة الحوار مضيعة للوقت وتكريس للأمر الواقع.

بينما أعاد انسحاب الوزراء الشيعة إلى الواجهة شعار “الميثاقية”، الذي تحوّل إلى أداة تعطيل: إذا لم تمر القرارات بما يرضي الثنائي الشيعي، تُسقط بالانسحاب. هكذا تصبح الميثاقية وسيلة ابتزاز سياسي لا قاعدة شراكة وطنية، ما يكرّس عجز النظام الطائفي عن إنتاج قرارات جامعة، وسط سجال دستوري وسياسي حول مشروعية القرارات المتخذة في غياب المكوّن الشيعي.

خلاصة المشهد
أمام هذا الواقع يجد اللبنانيون الساعون إلى العيش بأمان، بعيداً عن هيمنة الداخل، وأطماع الجيران من الشمال إلى الجنوب والشرق، مروراً بوحوش الفساد والأجندات الموالية للخارج مهما كان؛ أنفسهم أمام 4 خلاصات للمشهد السياسي اللبناني:

– الجيش بلا أنياب: خطته أقرب إلى حبر على ورق.
– الحكومة مُكبّلة: أي خطوة تواجه بالانسحابات والفيتوات الطائفية.
– الحزب فوق الدولة: يفرض شروطه ويربط مصير لبنان بمعادلات إقليمية.
– المواطن أسير: بين اعتداءات إسرائيلية متواصلة وهيمنة داخلية خانقة.

ختامها، الجلسة الأخيرة لم تكن سوى نسخة جديدة من مشهد مأزوم: خطة الجيش بقيت سرّية، التنفيذ مؤجل، والميثاقية أُفرغت من معناها. يتأكد مرة أخرى أن لبنان يعيش تحت وصاية سلاح غير شرعي، وأن حكومته مجرد صندوق بريد لصراعات إقليمية. والأخطر أنّ استمرار هذا الواقع ينذر بالأسوأ: مؤسّسات مشلولة، اقتصاد يترنح، ثقة دولية متآكلة، وشارع يغلي. وإذا لم يُكسر هذا الجمود، فإن لبنان مهدد بالانزلاق نحو الفشل الكامل، حيث لا يبقى من الدولة سوى الاسم.


مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة