خاص: وداعٌ يليقُ بـ”زعيم”.. “شارع الحمرا” يحتضن زياد للمرة الأخيرةَ!

لم تُطلق دعوة عامة. لم تحتشد الحملات ولا المنصات. لم تُنصب منصات الصوت، ولا ارتفعت أعلام حزبية أو شعارات انتخابية. ومع ذلك، نزل اللبنانيون… نزلوا بعفويةٍ جارفة إلى شارع الحمراء، كأنّهم يُلبّون نداءً داخلياً عابراً للسياسة والطوائف، نداء اسمه زياد الرحباني.
تحت شمس تموز اللاهبة، تجمّع الآلاف من عشّاق الموسيقى والكلمة والسخرية الذكية، يودّعون رجلاً لم يكن مجرد موسيقيّ، بل “زعيم” من نوع آخر. زعيم مزاجيّ، ساخر، ثائر وحنون… كتب عنهم، ضحك لهم وعليهم، صرخ في وجه الظلم واليأس، وغنّى لبيروت كما لم يفعل أحد.
لم يكن زياد بحاجةٍ إلى حملة إعلامية لتعبئة الجنازة. حضوره الفني والوجداني في حياة اللبنانيين كان كافياً ليحرّك الشارع. كيف لا؟ وهو الذي رافق أجيالاً عبر المسرح والموسيقى، وجعلهم يشعرون أن هناك من يقول ما يعجزون عن التعبير عنه. من لم يضحك مع “فيلم أميركي طويل”؟ من لم يبكِ على أنغام “عايشة وحدا بلاك”؟ من لم يصفق طويلاً لكلمات زياد الجارحة والحنونة في آن؟
أمام نعشه الملفوف بالورد، وقف رجلٌ مسنّ يهمس: “زياد مثل بيروت… موجوع، بس بيحبنا”. بينما شابة ثلاثينية، ترتدي قميصاً كُتب عليه “أنا مش كافر”، تذرف دموعاً صامتة وتُمسك هاتفها توثق اللحظة. “لوين رايح تتركنا؟”، تقول لصورة زياد. في أحد الزوايا، شبان يرددون مقتطفات من حواراته المسرحية، فيما تمرّ جنازته بصمت خاشع، لا تقطعه سوى تصفيق يُشبه تصفيق النهاية في مسرحيةٍ لا يريد الجمهور أن تنتهي.
هذه الجنازة، لم تكن مجرد وداعٍ لفنان، بل كانت استفتاء حبّ حقيقيّ، وأحد أندر لحظات الإجماع الوطني اللبناني، حيث امتزجت اللهجات والانتماءات والطبقات على رصيفٍ واحد، في مشهدٍ أعاد إلى شارع الحمراء وهجه الثقافي الذي كاد أن يُمحى.
ودّعوه كأنهم يودّعون صديقاً قديماً، لا نجماً بعيداً. ولعلّ في هذه العفوية رسالة صامتة: أن هناك قامات، كزياد الرحباني، لا تموت. بل تتحوّل إلى ذاكرة حيّة، تنبض كلما عزفت آلة، أو رُددت جملة…
بيروت تودّع ابنها العصّي… لكنها تعرف أنه باقٍ فيها، في أزقّتها، في موسيقاها، وفي ضحكاتها الساخرة على وجعها.

خاص Checklebanon



