خاص: “وإنت رايح… خُدني معك”: بيروت تمشي خلف زياد

لم يُنادِهم أحد، لكنّهم جاؤوا.
لم تُرسل الدعوات، ولم تُقرع الأجراس،
ومع ذلك، نزلوا من بيوتهم كأن زياد دعاهم بنفسه.
“يا شباب… ما حدا نِزَل”؟
فامتلأ شارع الحمراء بالوجوه…
الوجوه التي ضحكت يومًا على مسرحيته
وغنّت أغانيه في الليل الضائع من حياة الوطن.
مرّ النعش بين الناس كأنه مقطع موسيقي طويل…
صامت، لكنّه يقول الكثير.
صادق، كما أحبّه الناس دائمًا:
“صوتو مش حلو… بس قلبو حلو”.
زياد، هذا الذي كفر بالأصنام السياسية وآمن بالإنسان،
كتب “أنا مش كافر… بس الجوع كافر”،
فجاع معه وطن بأكمله،
واليوم، ودّعوه كما يُودّع الموج شاطئه الأخير.
بيروت حزينة، لكنّها لا تبكي،
لأنها تعرف أن زياد لا يحب الدراما المجانية،
هو الذي قال: “إيه في أمل… بس مش إلنا”،
ثم ضحك، وضحكنا معه، لأننا نعرف أنه قالها حبّاً، لا يأساً.
في شارع الحمراء، حيث كتب التاريخ الثقافي لبيروت،
تجمّع العابرون بين زمنين،
رفع أحدهم صورةً لزياد وكتب:
“كيفك إنت؟”
فردّت امرأةٌ بصوتٍ متهدّج:
“مش رح نبقى صحاب”؟
لم يكن وداعاً، بل لقاء أخير مع رجلٍ لم يغادر قلوبهم أبداً.
هم أتوا لا ليروه ميتاً، بل ليقولوا له:
“متنا قبلك بكتير، لما سكتت موسيقتك عنّا.”
في التابوت، لم يكن جسد زياد فقط،
بل بيروت القديمة،
بيروت السخرية الذكية،
بيروت الحارة والنقاشات الليلية،
بيروت اللي “بتتعب… بس ما بتموت”.
جنازته كانت مثل أعماله:
صادقة، خارجة عن النص،
وكل مشهد فيها يليق بعنوانٍ كبير:
“فيلم لبناني طويل… بس نحنا منحب نهايتو”.
مصطفى شريف – مدير التحرير



