خاص: عازف الوجع على أوتار “النهفة”.. زياد الرحباني يترجّل عن صهوة الوجود!
غريب أمر هذا الثائر المنتفض.. برحيله وحّد المتخاصمين.. فهو “حاضر في ذروة غيابه”.. حيث لا يكاد يمرُّ يوم ولا يردّد أحدنا بعضاً من “نهفات” مسرحياته.. من “شي فاشل” إلى “بالنسبة لبكر شو؟”.. إلى “نزل السرور”.. وسواها!!
صاحب “فيلم أمريكي طويل” يغادر ونحن نسأل هل مرّ على أحدنا صباحاً لم تستقبله “جارة القمر” بـ”قديش كان في ناس”.. “كيفك إنتَ”.. و”مش كاين هيك تكون”.. سواها الكثير والكثير من ألحان نجلها زياد الرحباني؟!
من “سهرية” (1973) إلى “لولا فسحة الأمل” (1994).. ومن “سألوني الناس” (1973) إلى آخر أعماله الموسيقية “بما إنّو” (1995).. ثم آخر ظهور له على المسرح في “أعياد بيروت” (2019).. كان زياد الرحباني شخصية تجمع التناقضات.. وحدّ في رثائه “لبنان الرسمي” الذي لطالما حارب فساد سياسييه.. مع “لبنان الشعبي” الذي لطالما رفع لواء الدفاع عن حقوق ناسه.. جمع الطوائف التي لطالما قاوم تشرذمها وتناحرها.. أظهر أجمل ما في وجه لبنان حتى قيل فيه “زياد كان حدا بيشبهنا.. زياد وج حلو عن لبنان الحلو ببساطته وعفويته وقربه من الناس”.. حتى كانت المفاجأة الكبرى “حزب الله” نعاه ببيان رسمي صادر عن “العلاقات الإعلامية”..
رحل زياد جسداً يوم أمس.. لكن إرثه لن يرحل.. لأنّ الناس “بتحبه بلا ولا شي”.. ولأنّ كل ما قاله أو ردّدته شخصيات مسرحياته التي لم نشاهدها.. بل سمعناها – نحن جيل الكاسيت والستيريو – وعشنا معها رحلة واسعة في عالم الخيال.. نعيشه اليوم على أرض الواقع رغم الكثير من التحذيرات.. التي كانت واضحة كضوء النهار لكننا لم نرد أن نراها..
مواقفه السياسية في فترة زمنية مت أبعدت عنه حيّزاً من الناس.. لكن المُبتعدون أنفسهم أوّل من نعاه وبكاه.. لإيمانهم بعمق وطنيته وانتمائه للأرض والوطن وهموم الناس العاديين.. أليس من قال: ” ولعل “أنا مش كافر بس الجوع كافر”؟!
يغادرنا زياد الذي كان مثار جدل في أعماله الثائرة على الزمن.. فسبقت التاريخ بأفكارها وطروحاتها وجرأتها.. بجملها الموسيقية وعباراتها البسيطة وأنغامها التي خلطت الجاز والديسكو والشرقي الأصيل.. فأثمرت عبقرية موسيقية وأعمالاً ساخرة من صميم وجع الناس..
برحيل زياد الذي نعته كبريات شبكات الإعلام العالمي من “سي أن أن” إلى “بي بي سي”.. قال قائل: “ان شالله ما يطوّل الزمن علينا ويبعتلنا زياد رحباني جديد”.. ونحن نقول: “دايماً بالآخر في آخر في وقت فراق”!!

خاص Checklebanon



