خاص: Checklebanon يفتح ملف “اليوم التالي لتسليم سلاح الحزب” (3-1)
"مرجع جيواستراتيجي": 3 سيناريوهات بين الواقعي والدموي والحلم المأمول

إعداد مصطفى شريف:
أما وقد أصبح ملف تسليم سلاح حزب الله إلى “الشرعية اللبنانية” “شاغل الدنيا ومالئ الناس”، فسيطر على شؤون وشجون أهل السياسة من بيروت إلى واشنطن، مروراً بدول الجوار العربي و”كيان العداء الصهيوني”، ووصولاً إلى منصّات مواقع التواصل الاجتماعي بشقيها “مُدّعي السيادة” و”الممانع”.
الكل يُحلّل والكل يستنتج، والكل انطلاقاً من انتماءاته ومصالح محوره يتحرّك من خلاف ستار الواقع الافتراضي، حتى انقسم المستوى الشعبي تماهياً معه المستوى السياسي، بين مَنْ يبعث رسائل تحذير عن غدر العدو الإسرائيلي وحليفه “المستقبلي” الجار “السوري المُهجّن” في اليوم التالي لتسليم السلاح، وبين مَنْ يتمسّك بأنّ لا خلاص للبنان ولا خروج من محنه والنهوض لإعادة إعمار البشر قبل الحجر هو بتسليم سلاح كل الميليشيات إلى الدولة وليس فقط حزب الله.
لذلك التقينا “مرجعاً جيواستراتيجياً” وطرحنا معاً على طاولة البحث ملف “اليوم التالي لدخول تسليم السلاح حيّز التنفيذ”، فكانت خلاصة اللقاء 3 قراءات تحليلية للوضع اللبناني، أوّلها الأكثر توقّعاً، وثانيها الأكثر خراباً، أما ثالثها فهو “الحلم المأمول بالسلام المعسول”.
القراءة التحليلية الأولى
أبعاد استلام الدولة اللبنانية زمام السلاح
أولًا: البُعد السياسي:
1. إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية: سيتسبّب غياب السلاح في إضعاف نفوذ “حزب الله” سياسياً، ما قد يؤدي إلى تقليص تأثيره داخل مجلسَيْ النوّاب والوزراء، عندها “تكبر الخسّة برؤوس” الأحزاب المعارضة له (القوّات اللبنانية، الكتائب اللبنانية، المستقلون والتغييريون) وتدب في عروقهم جرأة أكبر للضغط باتجاه تنفيذ الإصلاحات والدفع نحو حياد لبنان.
2. تعديل التحالفات الإقليمية والدولية: انكفاء “حزب الله” عسكرياً، يُفسح في المجال أمام إعادة ترميم العلاقات اللبنانية مع دول الخليج العربي لاسيما المملكة العربية السعودية، إضافة إلى أميركا وأوروبا، وهوا ما قد يتسبّب بـ”فتور كبير” في العلاقة السعودية – الإيرانية المُستحدثة، مقابل تحسّن ملحوظ بعلاقات الرياض وواشنطن.
ثانيًا: البُعد الأمني:
1. حصر السلاح بيد الدولة: عندما يُحصر السلاح كل الميليشيات بيد الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية، من جيش وقوى أمن داخلي وأمن دولة وأمن عام، حتماً سيشهد البلد تطوّراً إيجابياً، وفرصة أساسية للدولة من أجل فرض سيادتها على أراضيها، عندها تقوية الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية ستصبح أولوية، وهو ما يتطلّب دعماً مالياً وتقنياً كبيراً من الخارج.
2. فراغ أمني محتمل في الجنوب: قد يتسبب انسحاب “حزب الله” من الجنوب بفراغ مؤقت، حتماً ستسعى جهات مُسلّحة كالعدو الإسرائيلي، أو تنظيمات إرهابية إلى استغلاله منعاً لتيسير الأمور، وإعادة الاستقرار إلى البلد، هنا يظهر دور قوات الطوارئ الدولية المُعزّزة والمنتشرة في الجنوب “اليونيفل” لضبط المنطقة الجنوبية وخاصة الحدودية منها.
ثالثًا: البُعد الاجتماعي والطائفي
1. ردّة فعل القاعدة الشعبية الشيعية: يشعر جزء كبير من شيعة لبنان، لاسيما “البيئة الحاضنة للحزب” بأنّ السلاح هو ضمانة حمايتهم، وبالتالي قد يؤدي تسليمه إلى توتّرات داخلية واحتجاجات أو حتى تحرّكات غير مسؤولة، تتسبّب بشبه أزمة أهلية إذا ما لم تتمكن الدولة من وأدها في مهدها، ومنع تمدّدها أو أي اعتداء على المناطق المطالبة بالتسليم، لكن هذا الوأد لا بُدَّ وأنْ يترافق مع مشروع إنمائي وعدالة اجتماعية حقيقية تُطمئن هذه البيئة إلى أنّ الوطن للجميع بالمعنى الحقيقي.
2. تحفيز المصالحة الوطنية: من المأمول أن يكون تسليم السلاح بداية مرحلة مصالحة وطنية جديدة، وتشكيل هوية وطنية لبنانية جامعة تتجاوز الطائفية التي تهيمن على البلد، وتتسبب بأبشع أنواع الفساد من جهة، ورفض الشريك في الوطن لمجرّد انتمائه الطائفي أو العقائدي أو المناطقي.
رابعاً: البعد الاقتصادي:
1. فتح أبواب الدعم العربي والدولي: خطوة تسليم سلاح الميليشيات عموماً إلى الدولة، ستكون مرحلة أساسية في نشر الأمن والأمان في البلد، بما تعنيه من استعادة لثقة المجتمع الدولي بلبنان وتسريع لوصول المساعدات العربية والدولية، التي يتمسّك مانحوها بإخراج الدولة اللبنانية لملفات “الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية” من أدراج النسيان إلى أرض الواقع، خاصة أن النفوذ المسلح أصبح في عالم النسيان.
2. إمكانية إعادة إعمار البنى التحتية: في حال إثبات الاستقرار السياسي والأمني، سيصبح المناخ اللبناني أكثر ملائمة للاستثمارات الخليجية والدولية، خاصة تلك التي تعرّضت للشلل منذ زمن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتحتاج اليوم إلى دعائم “تطمينية” للعودة لأنّ “رأس المال يحب الأمان” ودون أمان لا مال ولا استثمار.
خامساً: البعد الإقليمي والدولي:
1. إيران وسوريا: إنْ لم يكن قرار تسليم حزب الله سلاحه إلى الدولة اللبنانية، نابعاً عن صفقة لعبت فيها إيران ورقة رابحة بخصوص ملفها النووي، فإنّه حتماً سيُشكّل “ضربة في مقتل” لنفوذ “الولي الفقيه” في لبنان، لأنّه بشكل او بآخر سيسحب منها أهم ورقة ضغط في لبنان بنتها على مدار 40 عاماً، وجعلت منها الوكيل المباشر في الداخل اللبناني، ناهيك عن أنّ “سوريا الجولانية” قد تحاول استغلال الوضع لاستعادة بعض النفوذ على الحدود، بالتعاون مع العدو الإسرائيلي إلى ما تمّت عملية التطبيع التي تُطبخ في الخفاء وتتسرب رائحتها إلى العلن.
2. كيان العدو: طبعاً “دولة العدو” هي الرابح الأكبر في مرحلة ما بعد تسليم سلاح “حزب الله”، لأنّها تخلّصت فعلياً من عدوّها الأبرز، خاصة بعد القضاء على حركة “حماس” في غزة، ورغم ذلك شرّع أمامها “اتفاق وقف إطلاق النار” استباحة السيادة اللبنانية، ما يعني عدم تخلّيها عن سياساتها العدوانية، بحيث تبقى تراقب وتترصد وتنقض على أي محاولة لإعادة تشكيل مقاومة لبنانية.
خلاصة الأبعاد الخمسة:
تسليم “حزب الله” سلاحه إلى الدولة اللبنانية سيكون حدثًا مفصلياً وتاريخياً، يحمل في طيّاته فرصاً كبيرة لإعادة بناء الدولة، لكنّه محفوف بمخاطر داخلية وخارجية كبيرة.
من هنا فإنّ نجاح هذه العملية يتوقف على توافر: إرادة سياسية لبنانية جامعة، تتماهى مع توافق داخلي واسع على طَيْ صفحات الخلافات والبدء لمرحلة لبنانية وطنية حقيقية، مترافقة مع استراتيجية أمنية واقتصادية شاملة، تُثمر دعماً عربياً ودولياً فعّالاً ومُستداماً.
*وللحديث صلة مع قراءة تحليلية ثانية “أكثر صداماً ودموية”!!




