اللعب على حافة الهاوية: إسرائيل-إيران « هدنة الضرورة» ما بين حربين… أم «مقدمة لتسوية شاملة»؟

إسرائيل-إيران: هدنة «الضرورة» ما بين حربين… أم مقدمة لتسوية شاملة؟
سيبقى الجدل قائماً حول ما إذا تمَّ تدمير البرنامج النووي الإيراني كلياً أو تأخيره لسنوات، وما إذا تضرَّر المخزون من اليورانيوم بنسبة الستين في المئة من عدمه، حيث كان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يُشير إلى أن لدى طهران كمية كفيلة بصنع 12 قنبلة نووية قبل الضربة الأمريكية على المنشآت النووية الثلاث “فوردو” و”نظنز” و”أصفهان”.
يتشابه الجدل في مفاعليه مع المنطقة الرمادية بما توفره من ضبابية للأطراف المنخرطة في الحرب، تعطيهم هامشاً مريحاً في ادعاء النصر. ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ترويج معادلة “رابح-رابح” بين طهران وتل أبيب التي تحتاجها استراتيجيته بـ”فرض السلام بالقوة”. لا تشبه شخصية ترامب وطريقته وأسلوبه أي رئيس أمريكي آخر، بحيث لا يمكن معه التنبؤ بما سيقوله أو سيفعله. تُغضبه المماطلة، وغير متمرس في سياسة النفس الطويل، ولا يرى أنه يحتاج إلى ممارسة كل الدبلوماسية الزائفة ما دام يتكلم من موقع رئيس أكبر دولة بقدراتها وإمكاناتها وتأثيرها.
بعد حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران والضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، ما هي السيناريوهات المحتملة أمام نظام طهران مع ما تبقى من وقت زمني من الاتفاق النووي حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2025، موعد انتهاء القيود الزمنية الرئيسية (البنود المؤقتة) وفق “خطة العمل الشاملة المشتركة” الموقعة في 2015 ومدتها عشر سنوات أو أكثر؟
في قراءة الواقع الجديد الذي تواجهه إيران، لا يبدو صعباً الوصول إلى استنتاجات بأن خياراتها باتت أضيق ولكن غير معدومة. فمنشآت “فوردو” و”نظنز” و”أصفهان” تضررت بدرجات متفاوتة؛ وضغط دول الترويكا في مجموعة (5 + 1) يزداد مع التلويح بتفعيل “آلية الزناد” المتمثلة بإعادة العقوبات الأممية بالاتكاء على التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية المستند إلى غياب الشفافية بالكامل بالنسبة إلى برنامج إيران النووي؛ وأمريكا تمارس سياسة “العصا والجزرة” والترهيب والترغيب؛ والشارع الإيراني الذي وقف متفرجاً خلال حرب الـ12 يوماً يمرّ بحالة اقتصادية خانقة؛ وكل المؤشرات تدل على حجم الضغوط الداخلية التي سيتعرض لها جراء الأزمات المتتالية التي ستواجهه على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، زد عليها حجم الأضرار والخسائر المادية في بنى تحتية تكبدها ما بين 13 و24 حزيران/يونيو 2025.
من هنا، تبدو إيران أمام جملة من السيناريوهات، تتراوح أولاً بين الإعلان الرسمي عن الخروج من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية بما يعنيه الخروج من الاتفاق النووي، وإنهاء التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو يمثل تصعيداً خطيراً. غير أن واقعها الراهن لا يجعلها قادرة على المجازفة بالذهاب فعلياً إلى هذا الخيار، وليس التلويح به سوى وسيلة ضغط، على غرار اتخاذ البرلمان قرار تعليق التعاون وتصديق مجلس صيانة الدستور عليه، لكنه يحتاج إلى المصادقة النهائية من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
مرحلة “الغموض النووي الردعي”
وتشمل الخيارات الإيرانية انتهاج سياسة الرد العسكري غير المباشر من خلال الأذرع: جماعة الحوثي في اليمن والذين أظهروا قدرة على حرية الحركة أكثر من الأذرع الأخرى، بما سمح لهم بالتقدّم إلى المرتبة الأولى في سلّم “أذرع المحور” بعدما كان “حزب الله” يتبوأ هذا المركز قبل أن يتلقى ضربة قاصمة في بناه القيادية والعسكرية والأمنية؛ الحشد الشعبي في العراق، حيث بدا أن الفصائل الموالية للحرس الثوري الإيراني تم ردعها تحت وطأة التهديد الأمريكي بالسحق؛ “حزب الله” الذي سلّم سلاح “المقاومة” جنوب الليطاني وأبقى على مخازنه من السلاح الاستراتيجي الذي لن يُستخدم إلا بطلب من الحرس الثوري لحماية النظام من السقوط، وكان ليقوم بذلك لو وصلت المواجهة إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تنظر إليها الأذرع العقائدية، ومعها جمهور الشيعة ممن يتبعون ولاية الفقيه، على أنها الدولة الشيعية الوحيدة في العالم وتُشكِّل مرجعيتهم. وقد يكون اللجوء إلى خيار الأذرع لشنّ هجمات غير مباشرة على مصالح أمريكية أو إسرائيلية وتنفيذ عمليات اغتيال أو تفجيرات خارجية ضد أهداف غربية، منخفض التكلفة داخلياً بحيث لا يُعرِّض النظام بالمباشر، ويخدم تالياً سردية الصمود.
وفي الخيارات أيضاً التسريع السرّي نحو امتلاك القدرة النووية الكاملة عبر بناء منشآت نووية جديدة تحت الأرض، والاستمرار بالتخصيب، والدخول في مرحلة “الغموض النووي الردعي” بالتزامن مع الانحناء الدبلوماسي وما يتطلّبه ذلك من تهدئة مؤقتة في الملف النووي لجهة مسألة التخصيب وتفعيل المراقبة وغيرها من المطالب، في محاولة لكسب الوقت والرهان على تغيّرات في المستقبل تكون لمصلحتها، على غرار تمرير الأشهر المقبلة حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، حيث يمكن عندها للترويكا الأوروبية تفعيل آلية الزناد “سناب باك”، وانتظار “تغيُّر ما” في الإدارة الأمريكية أو في إسرائيل.
ولكن، هل فعلاً إيران ما زالت قادرة على اللعب على حافة الهاوية باستخدام الورقة الدبلوماسية “كمنطقة تنفّس”، لا كتنازل صادق على طريق التسوية؟ فرغم الصمود والثبات الذي أظهرته، تُشير القراءات المتعددة الاتجاهات إلى أن طهران لم تعد تملك القدرة على المقاومة، وبالتالي، ستذهب إلى المفاوضات مع أمريكا في ما يتعلق بمصالح نظامها.
ويرى المفكِّر اللبناني د. رضوان السيِّد أن “المتاعب قد تتجه إلى نواحٍ أخرى، مثل الجدل حول الصواريخ البعيدة المدى، وأنصار إيران، والوجود الأمريكي في العراق وسوريا”. ويتساءل: هل إيران بذهابها إلى الاتفاق ستقول لأنصارها إنها لم تعد تحتاج إليهم؟ وإن عليهم أن يُسلّموا سلاحهم في بلدانهم، ولا سيما في ظل عزم إسرائيل على إنهاء المشكلة برمتها مع إيران وأنصارها، وفي ظل قدرتها على إرهاب هؤلاء سواء تخلّت عنهم إيران أو لم تتخلَّ”؟ ويعتبر رضوان السيِّد “أن الإيرانيين، مؤقتاً، لا يستطيعون الاستمرار بالتمدد في دول المنطقة. كان هناك سابقاً اختلال في الأمن العربي والمنطقة من خلال الميليشيات التي طوَّرتها، أما اليوم فقد حصل اختلال جديد لصالح إسرائيل التي لا صبر لديها على التفاوض”.
سياسة «الترهيب والترغيب»
يعكس مشهد التشييع الرسمي في طهران (25 حزيران/يونيو) لـ60 من القادة العسكريين والعلماء النوويين ما أعلنه الجيش الإسرائيلي في اختتام عملية “الأسد الصاعد” العسكرية ضد إيران عن القضاء على 30 قائدًا رفيعي المستوى من بين مئات العناصر العسكرية، وقتل 11 خبيرًا نوويًا. في الجردة الرسمية، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تمكّن من تحقيق تفوُّق جوي كامل في قلب إيران، وإنه حقق جميع الأهداف المحددة، بل وأكثر منها. وهو – إلى العملية التي استهدفت ثلاثة مراكز رئيسية للبرنامج النووي الإيراني – نجح في تدمير آلاف أجهزة الطرد المركزي والمراكز البحثية، وأكثر من 35 قاعدة صاروخية، و200 منصة إطلاق، واستهدف أكثر من 80 منظومة دفاع جوي، و15 طائرة، وستة مطارات عسكرية.
الجردة الإسرائيلية التي أعلنت عن تضرّر 2305 شقق و240 مبنى في إسرائيل، وبقاء 13.197 من دون مأوى جراء سقوط صواريخ إيرانية انتهت بالإعلان عن “بدء سباق على بناء القوة العسكرية استعداداً للمستقبل، كي نصل إلى وضع جيد وجهوزية أكبر في الجولة القادمة ضد إيران عند حصولها”. وربما هنا “بيت القصيد”.
يكشف ترامب، في ردِّه على المرشد الإيراني، الذي قال إنه فاز على إسرائيل في أول ظهور له بعد وقف إطلاق النار، ما كانت إسرائيل ذاهبة إلى فعله لولا تدخله. يقول: “كنت أعرف بالضبط مكان تواجده، ولم أسمح لإسرائيل، أو القوات المسلحة الأمريكية، الأعظم والأقوى في العالم، بإنهاء حياته. لقد أنقذته من موت بشع ومخزٍ للغاية، وكان يتعين عليه أن يقول: شكرًا لك الرئيس ترامب”. ويضيف: “في الواقع، في الفصل الأخير من الحرب، طالبتُ إسرائيل بإعادة مجموعة كبيرة جدًا من الطائرات، التي كانت متجهة مباشرة إلى طهران، باحثة عن يوم عظيم، ربما الضربة القاضية النهائية! كان من الممكن أن تحدث أضرار جسيمة، وكان سيُقتل العديد من الإيرانيين. كان من المفترض أن يكون هذا الهجوم الأضخم في الحرب بلا منازع”.
والأهم ما أسرَّ به من أنه كان يعمل خلال الأيام القليلة الماضية على إمكانية رفع العقوبات، وأمور أخرى، مما كان سيمنح إيران فرصة أفضل بكثير للتعافي الكامل والسريع والشامل، لكنه توقف فورًا عن العمل على تخفيف العقوبات بعد كلام المرشد المليء بالغضب والكراهية والاشمئزاز. لم يُقفل ترامب الباب، وعاد إلى سياسة “الترهيب والترغيب” بإشارته إلى أن “على إيران أن تعود إلى مسار النظام العالمي، وإلا ستزداد الأمور سوءًا بالنسبة إليهم (…) أتمنى لو أن قيادة إيران تدرك أنه بالعسل غالبًا ما تجني أكثر مما يُجنى بالخل”. ترامب الذي يتمسك بسرديته عن تدمير النووي الإيراني بالكامل، أعلن أنه سيُفكّر في قصف إيران مرة أخرى إذا عادت إلى تخصيب اليورانيوم.
ورغم التصعيد الكلامي السياسي، فإن رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على رد ترامب على المرشد حمل في طياته إشارة واضحة إلى الرغبة في العودة إلى طاولة المفاوضات شرط “حفظ ماء وجه” المرشد. قال الدبلوماسي الإيراني: “إذا كان الرئيس الأمريكي صادقاً في التوصل إلى اتفاق، فإن عليه ترك نبرته غير المحترمة وغير المقبولة تجاه المرشد الإيراني”.
ستتوالى عمليات تسجيل الأهداف في مرمى الشباك الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية في المباريات الكلامية الجارية حالياً، لكن الأعين ستتجه إلى ما ستؤول إليه الأيام والأسابيع المقبلة في مبارزة “شد الحبال” و”عض الأصابع” على طاولة المفاوضات، التي إذا تعثرت أو أصابتها المراوحة أو الفشل، ستنتقل العملية إلى الأرض، وإلى رسم أهداف أكبر. حتى الآن ليس على أجندة أمريكا إسقاط نظام خامنئي، وترامب يُؤمِّن الحماية له لأنه يطمح صادقاً في التوصل إلى تسوية معه. وهو الذي يقول: “حمى الله إيران، وأريدها أن تعود دولة عظيمة”.
رلى موفق- القدس العربي



