إسرائيل تستعرض “حلقة النار” الإيرانية: حزب الله مصاب.. لكنه لا يزال قادراً على الضرب

نشرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريراً تطرح فيه تساؤلات واحتمالات ما يمكن أن يقدم عليه حلفاء إيران في خضم الحرب بينها وبين إسرائيل. ويقول التقرير: إن (حلقة النار) الإيرانية التي أنشأتها طهران حول إسرائيل لم تعد مشتعلة بالقوة نفسها، لقد تلقّى حزام الميليشيات والمنظمات “الإرهابية” الموالية لإيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن ضربات عسكرية، وأيضاً حزب الله، الذي تأثر كثيراً بالتحولات السياسية في دول المنطقة، ومنها سوريا.
سيُحدَّد مصير بعض قوى الوكلاء (الأذرع)، بناءً على نتيجة الحرب بين إيران وإسرائيل، والطريقة التي ستنتهي بها، أو بناءً على الواقع الجيوسياسي الجديد الذي يُشكَّل في الشرق الأوسط”.
ومع ذلك، تحذّر خبيرتان تحدثتا لصحيفة “هآرتس” من التسرع في نعي هذه القوات، تماماً كما أنه من الخطأ الافتراض أن الحديث يدور حول مسلحين لا يشغلهم سوى بقاء نظام الملالي. إذاً، ما الذي تبقّى من “حلقة النار”، وإلى أيّ مدى يمكنها الصمود أمام التحولات السريعة في منطقتنا؟
حزب الله: مصاب، لكنه لا يزال قادراً على الضرب
في السنوات الأخيرة، كان يُعتبر إطلاق آلاف الصواريخ الدقيقة من حزب الله نحو إسرائيل سيناريو شبه مؤكد سيرافق اندلاع أيّ مواجهة مباشرة مع إيران. تقول أورنا مزراحي، الباحثة الكبيرة في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، ونائبة سابقة لرئيس مجلس الأمن القومي وعضو الهيئة الإدارية في منتدى دبورا: “كان من المفترض أن يكون حزب الله خط الجبهة الأمامي لطهران. لقد كان يُفترض أن يكون العنصر المركزي الذي عملت إيران على تنميته على مدى أعوام، ليتمكن من مساعدتها في ساعة ضيق كهذه.”
وتفسّر مزراحي ضُعف حزب الله على ثلاثة مستويات: الضربة العسكرية لقدراته، والتركيبة السياسية الجديدة في لبنان، وانهيار نظام الأسد في سوريا. لكنها تشدد أيضاً على أن مصطلحات، مثل “تحييده”، أو “إخراجه من المعادلة”، تجافي الحقيقة، وتقول: “يجب أن تكون نقطة الانطلاق من أن حزب الله لا يزال هنا، وأن دوافعه والأيديولوجيات التي توجّهه لم تتغير.”
صحيح أن إسرائيل وجّهت ضربات قاسية إلى الحزب، عبر اغتيال قياداته واستهداف برامجه، مثل “عملية البيجر”، لكن الضربة لم تكن قاتلة. وبحسب مزراحي، تقدّر أجهزة الأمن أن ما بين 70% و80% من القدرة العسكرية للتنظيم تضررت، أو شُلّت، وفي مصطلحات الجيش النظامي، خسر نحو نصف مقاتليه. وتضيف: “إن التنظيم ضعف بشكل ملموس، ويشعر بأنه مكشوف أمام الاستخبارات الإسرائيلية، لكنه يحاول إعادة بناء نفسه”.
تعرّض حزب الله لهزات نتيجة التطورات السياسية في لبنان وسوريا، لا تقلّ شدةً عن الضربات التي تلقّاها من إسرائيل. وبحسب مزراحي، بخلاف ما كان عليه الوضع في الماضي، لم ينجح التنظيم في عرقلة التعيينات في القيادة الجديدة “التي رفعت شعار تفكيكه فعلياً، حتى لو لم تصرّح بذلك علناً”. وبخصوص خطوات، مثل جمع السلاح، تضيف مزراحي: “تقوم الحكومة بأمور كثيرة، لكن من المرجّح أنها غير كافية”.
كذلك تشير مزراحي إلى الهجوم الذي استهدف منشآت التنظيم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب اللبناني في مطلع حزيران/يونيو، وتقول إن “البنى التحتية للطائرات المسيّرة التي استهدفتها إسرائيل هي، على الأرجح، شيء جديد بدأ يتشكل هناك، والاحتمال الأكبر أن ذلك تم بمشاركة إيرانية.”
إن سقوط النظام السوري، الذي أتاح لحزب الله العمل بحُرية داخل البلد واستخدامه كمسار للتهريب من إيران والعراق، شكّل ضربة إضافية وقاسية للتنظيم الشيعي. تقول مزراحي: “إن انهيار نظام الأسد كانت له أهمية كبيرة، ليس فقط من منظور واسع إلى محور إيران، بل أيضاً بشكل ملموس.” وتضيف: “فالتحالف مع الأسد، ودعمه لحزب الله، والعكس، كل ذلك انتهى.”
وبحسب مزراحي، إن وضع لبنان اليوم صعب، وهو يفضل التركيز على إعادة الإعمار، بدلاً من الدخول في حرب جديدة، لكن كل ذلك قد يتغير إذا طال أمد الحرب، وازدادت الضغوط على إيران، وهو ما سيؤدي، بدوره، إلى زيادة الضغط على حزب الله للتحرك.
الحوثيون: مع إيران في الوقت الراهن
لم يتوقف الحوثيون في اليمن عن إطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل، حتى بعد الهجوم على إيران، لكن مَن كان يتوقع وابلاً من الصواريخ، أو انخراطاً كاملاً لمصلحة طهران، فإنه يتجاهل الفروق الجوهرية بينهم وبين قوى أُخرى موالية لإيران في المنطقة.
وتوضح عنبال نسيم – لوڤتون، الخبيرة في شؤون اليمن وزميلة بحث في منتدى التفكير الإقليمي ومركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب، وهي عضو في منتدى دبورا: “إن علاقة الحوثيين بإيران ليست علاقة وكلاء بالمعنى الذي نفكر فيه عند الحديث عن حزب الله في لبنان، أو الميليشيات في العراق.” وبحسب قولها، فإن “العمليات التي ينفّذها الحوثيون، والتي قد تبدو ثانوية للبعض، تنسجم مع تصريحاتهم بشأن استقلالية القرار، إلى جانب شراكة وتنسيق مع إيران، وكونهم جزءاً من محور المقاومة.” ووفقاً لذلك، فإنهم “سيتصرفون، أولاً وقبل كل شيء، بما يخدم مصالحهم.”
وبحسب لوڤتون، تشير التقديرات إلى أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون المئات، بل الآلاف من الصواريخ الباليستية، لكن يجب أيضاً أخذ وسائل القتال التي تُهرّب إلى اليمن في الحسبان، منذ سنة 2009 على الأقل، “وبصورة خاصة المعدات المفككة التي تصل بشكل أجزاء من إيران”. وتضيف أنه حتى لو تم تقليص عمليات تهريب السلاح، فمن المهم الانتباه إلى قدرات الحوثيين التصنيعية داخل اليمن، وتحويل المصانع وورش الإنتاج إلى أغراض عسكرية.
وعلى الرغم من الضربات الأميركية والإسرائيلية، تقول لوڤتون: “من الصعب تقدير حجم الضرر الذي ألحقناه بقدراتهم،” وتضيف: “يبدو كأن الحوثيين فكروا في إمكان تلقّي مساعدات عسكرية من روسيا، وحتى من الصين،” وهي خطوة قد تدلّ، بحسب تعبيرها، على براغماتيتهم، وهو ما يجعل تصنيفهم كوكلاء إيرانيين فقط أمراً أكثر تعقيداً.
حاولت إسرائيل اغتيال رئيس أركان الحوثيين، محمد عبد الكريم الجماري، ولا يزال مصيره غير واضح حتى الآن. ومع ذلك، تحذّر لوڤتون من أن يؤدي مثل هذه الخطوة إلى نتيجة عكسية، وتقول: “لن يؤدي ذلك إلى تقليص رغبتهم، أو تثبيط عزيمتهم، بل بالعكس.” وتضيف: “نحن نميل إلى نسيان أنهم دخلوا في المواجهة معنا، بعد سنوات من القتال ضد السلطة المركزية والقوات القبلية التابعة لها، وبعد سنوات من حرب أهلية أعلنوها رسمياً في نهاية سنة 2014.”
تذكّر لوڤتون أيضاً بأن قوات النظام اليمني اغتالت في سنة 2004 القائد الحوثي السابق، حسين، شقيق القائد الحالي عبد الملك الحوثي. وتقول: “صحيح أن ذلك حدث في مرحلة مبكرة نسبياً من عمر الحركة، لكنه كان في الواقع إشارة البداية إلى جولات قتال إضافية مع النظام.” وتضيف: “بمعنى أن التأثير كان مغايراً تماماً لِما كانوا يتوقعونه، لقد نُشرت صورة جثة حسين في محافظة صعدة، الأمر الذي جعله يتحول فعلياً إلى شهيد مقدس”.
وفي نظرة إلى المستقبل، تلخّص الباحثة بأنه يبدو واضحاً للحوثيين “أن دعمهم لإيران سيكون محدوداً في جميع الأحوال، لكنهم سيعملون على الحفاظ على وجودهم وحيويتهم، وعلى علاقتهم بإيران، وعلى التزامهم بالقضية الفلسطينية.”
الميليشيات في العراق: قوة لم تتضرر
أفاد هذا الأسبوع يانيف كوفوفيتش في صحيفة “هآرتس” بأن الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا واليمن تثير قلقاً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي تستعد لاحتمال وقوع “محاولات تسلُّل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، أو هجمات على قوات الجيش الإسرائيلي والتجمعات السكنية القريبة من السياج الحدودي”.
لكن الباحثة مزراحي، من معهد دراسات الأمن القومي،(INSS) غير مقتنعة بأن تهديد تسلُّل الميليشيات إلى الحدود الشرقية لإسرائيل هو سيناريو وشيك، أو حتى مرجّح، وخصوصاً أن إسرائيل كانت هي المُبادِرة إلى خطوة مفاجئة ضد إيران، ولم تترك مجالاً للمفاجآت الأُخرى.
وتقول مزراحي: “إن الميليشيات هي تجمُّع عسكري موالٍ لإيران، وغالباً ما تكون موجهةً من طهران. إنها قوة لم تتعرض لأيّ ضرر يُذكر حتى الآن.”
في نيسان/أبريل الماضي، كتب تسفي برئيل في صحيفة “هآرتس” عن النقاشات الدائرة في العراق حول وضع الميليشيات وتنظيم “الحشد الشعبي” الذي يجمعها. وذكر أن التنظيم في ذروته، ضم أكثر من 70 ميليشيا، بينما يضم اليوم نحو نصف هذا العدد، بعض هذه الميليشيات يتلقى تمويلاً وتدريباً مباشراً من إيران، وآخر يدين بالولاء للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، بينما تعمل مجموعات أُخرى كأذرع عسكرية لأحزاب وحركات شيعية عراقية لا تعتبر إيران، بالضرورة، مرجعية سياسية، أو دينية لها.
وبحسب مزراحي، فإن المسارات السياسية في العراق بشأن نزع سلاح الميليشيات تعكس مجموعة من القيود، بعضها نابع من اعتبارات الدولة، وقد تؤدي إلى الحد من نفوذ هذه الجماعات، حتى إذا ظلت قوتها العسكرية على حالها.
وماذا بعد: تقول مزراحي إن قدرة الميليشيات في العراق على تنفيذ عمليات ضد إسرائيل “تبيّن في السابق أنها محدودة إلى حد كبير،” وتشير، على سبيل المثال، إلى إطلاق المسيّرات والصواريخ نحو إيلات في أيلول/سبتمبر الماضي. وتضيف أن التهديد الرئيسي لهذه الميليشيات موجّه في الأساس نحو الولايات المتحدة، لكنها تحذّر من أنه “ما دامت الولايات المتحدة لا تشارك بشكل فعال في الحرب، فإن مهاجمة القواعد الأميركية سيكون خطأً من طرف هذه الميليشيات، لأنه قد يسرّع فقط في انخراط واشنطن الناشط في ساحة المعركة.”
“حماس”: تصلُّب في المواقف
عندما شنّت “حماس” هجومها في 7 أكتوبر، كان المحور الشيعي الموالي لإيران في أوج قوته، أمّا اليوم، فقد جعلته الحرب الحالية منهكاً ومضروباً. وبالمثل، فإن “حماس” متضررة، لكنها لا تزال تقاتل. وعلى الرغم من تحوُّل الأنظار العالمية شرقاً، فإن الحرب في غزة ما زالت مستمرة، وسط غموض يلف ملف صفقة تبادُل الأسرى.
قوتها الحالية: على الرغم من أن إسرائيل قضت على الجزء الأكبر من قدرات “حماس” على إطلاق الصواريخ، فإن حرب العصابات لا تزال مستعرّة في قطاع غزة وتحصد الأرواح. ومع ذلك، وحسبما كتب عاموس هرئيل هذا الأسبوع، فإن الحملة العسكرية في القطاع كانت متعثرة منذ البداية، وهي الآن تتراجع أكثر إلى الهامش في ظل الجبهة الجديدة مع إيران.
وماذا بعد: قال مسؤول فلسطيني لجاكي خوري في صحيفة “هآرتس”، يوم الاثنين، إن الحملة التي أطلقتها إسرائيل ضد إيران قد تدفع حركة “حماس” إلى تشديد مواقفها في المفاوضات. وأضاف خوري أن هناك مؤشرات إلى أن الحركة باتت تدرك أكثر أنه لم يعد في إمكانها الاعتماد على دعم إيران، وأنه “في المدى البعيد، قد تؤدي أيّ تسوية بين طهران والغرب إلى تقليص علاقات إيران مع “حماس” والجهاد الإسلامي، في الوقت الذي تكون هذه المساندة أكثر حيويةً لهما من أيّ وقت مضى.”
المدن



