خاص شدة قلم: في أعماق الضاحية للمرة الأولى منذ “عدوان البيجر”: ذهول وإستغراب مما رأته عيناي وسمعته أذناي!

في زيارة هي الأولى لعمق الضاحية الجنوبية منذ “عدوان البيجر”.. الذي لا تزال تداعياته ووقائعه مُستمرّة منذ أيلول 2024.. توجّهتُ إلى “المريجة” و”الرعبُ يتآكل صدري وعيناي تُراقبان السماء تارة والأخبار العاجلة تارة أخرى”.. وهدف “الزيارة المحفوفة بالخطر” هو لقاء صديق قادم من العراق حيث يعمل.. لقضاء مطلع الصيف في وطنه الأم والمشاركة بالذكرى السنوية الأولى لرحيل والدته..

A man carries a Hezbollah flag as he walks on the rubble of his destroyed apartment following an Israeli airstrike in Dahiyeh, Beirut, Lebanon, Friday, Nov. 1, 2024. (AP Photo/Hassan Ammar)

عبرتُ في طُرُقات تعرّفتُ عليها قبل أعوام سبعة.. طُرُقات لا تزال الرايات الصفراء والخضراء تغطي سماءها لكن أُضيفت إليها المئات من صور الشباب الذين قضوا خلال العدوان.. طُرقات كان تجمع ما بين “بيئة الثنائي الشيعي” وجوارها من المجتمع المسيحي في السان تيريز والحدث وكفرشيما.. طرقات أصبحت اليوم لا تخالط ولا اندماج ولا تقارب.. بل انفصال تام عن المُحيط والجوار.

لكن أكثر ما شدَّ انتباهي أمس الأول هو المشهد “السوريالي” بكل ما للكلمة من معنى.. رحتُ أطرح على نفسي سيل من أسئلة ممزوجة بالاستغراب.. إذ رأيت هذا وذاك وذلك وشاهدت الناس تحيا بشكل طبيعي ما بين رُكام أبنية وورش إعادة إعمار وترميم.. شاهدتُ بؤراً من التجمعات الشبابية والكهولية المتحلقين حول قارعات الطرقات كعادتهم.. والدراجات النارية منتشرة بشكل عادي جداً.. بل أنّ المحلات والمطاعم والمقاهي شبه استعادت حركة زبائنها من أهل الانتماء الواحد..

رحتُ أسأل: كيف يواصلون العيش في نفس المناطق المُستهدفة سابقاً والقابلة للاستهداف في أي لحظة وكأنّ شيئاً لم يكن أو لن يكون؟!.. كيف يستطيعون البقاء رغم أنّها لحظات مفصلية ما بين إنذارات “فيخو اللعين” وزخّات الرصاص التحذيري.. فيتنشر الأهالي في الطرقات هرباً وهلعاً.. ويتوالى الساعون إلى ملجأ ومأمن وحين انقضاء ساعات الموت يعودون أدراجهم.. كيف بإمكانهم استعادة وتيرة حياتهم وعدوان ليلة العيد لا يبعد عنّا إلا أياماُ معدودات؟!..

لم أستطع أن أصمت أو أن أُبقي أسئلتي تخنق أنفاسي فطرحتُها على صديقي “الضيف”.. الذي لم يحضر أيّاً من تداعيات “حرب الإسناد”.. فأجابني برد حاسم مؤكداً أنّه سبق وطرح نفس الأسئلة على أقاربه وأهله.. وكان الجواب: وين منروح؟!.. هيدي بيوتنا هون خلقنا وهون ربينا وهون عم نربّي ولادنا!!.. أشغالنا بالضاحية أو ببيروت وشوارعها.. أرزاقنا كلها هون وما حنتركها”..

قال وعلامات الاستغراب بادية على وجهه: تلك كانت إجاباتهم يا صديقي رغم أنّني لم أعقلها لكن ما بأيديهم حيلة.. فهم وقود حرب تُسيّرها أجندات عُظمى.. فيدفعون من يومياتهم أثمان انتمائهم العبثي إلى خط سياسي أو منحى عقائدي..

لكنّه عند مفترق الكلام استدرك مؤكداً أنّه حين سأل عن فُلان وعلان من المعارف الميسورين.. فكان دوماًُ يلقى نفس الجواب: “شو بدهم بالضاحية.. راحوا على مناطق مسيحية أو بعيدة آمنة نوعاً ما.. واللي عنده شغل وأرزاق بأفريقيا والخليج شمّع الخيط وفل”..

خلاصة القول: غادرتُ الضاحية وأنا مذهول مما رأته عيناي وسمعته أذناي.. احيانا تسكت الحروف عن النطق.. فالمال يُعادل الروح وحين يغيب المأوى والسند ويُفقد الأمن إما الرحيل أو البقاء بانتظار ما يُسمّونه “شهادة”.. فأي شهادة هم ينتظرون؟!

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة