هزيمة 2022… ظلالها الثقيلة: هل يستعيد التيار بلدياً ما خسره نيابياً في جزين؟

تتحوّل المعركة البلدية في مدينة جزين وقضائها إلى واحدة من أكثر المواجهات حساسية في الجنوب اللبناني اليوم، بعدما تخطّت طابعها الإنمائي، وارتدت طابعًا سياسيًا حادًا، لتغدو بمثابة اختبار مبكر للانتخابات النيابية المقبلة. في هذه البقعة التي مثّلت أحد أبرز ميادين الانقلاب السياسي في انتخابات 2022، تتواجه القوى التقليدية من جديد، لكن بأوراق وتحالفات مختلفة.

هزيمة 2022… وظلالها الثقيلة
في الانتخابات النيابية عام 2022، شكّلت جزين مسرحًا لانتكاسة كبرى للتيار الوطني الحر الذي خسر مقاعده الثلاثة لصالح القوات اللبنانية، في فوز مفصلي أخرج التيار من المعادلة السياسية في القضاء. آنذاك، استطاعت القوات توحيد صفوفها، وخوض المعركة بجسم حزبي متماسك ولائحة واحدة متجانسة، مستفيدة من ضعف خصومها وتشتتهم.

لكن حسابات اليوم ليست كحسابات الأمس. فالمشهد البلدي في جزين يتقدم على وقع انقسامات داخل اللائحة المدعومة من القوات، التي تخوض الانتخابات بلائحة غير متماسكة، يتنازعها التنافس بين مرشحين من داخلها. إذ يعبّر بشارة عون، رئيس اللائحة، عن امتعاضه من أداء حزبيين قواتيين يروّجون لتشطيب اسمه لصالح سامر عون، المرشح الذي يملك بطاقة حزبية من القوات، ما أدى إلى توتر داخلي كاد يطيح باللائحة.

التيار يعود من الباب البلدي
في المقابل، يخوض التيار الوطني الحر الانتخابات هذه المرة على قاعدة تحالفية عريضة، يعوّل عليها لاستعادة موطئ قدم في جزين بعد الإقصاء النيابي. فقد أبرم اتفاقًا مع النائب السابق إبراهيم عازار، المحسوب على رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ضمن تفاهم أوسع يشمل تحالفًا غير معلن مع “الثنائي الشيعي” وفاعليات صيداوية سنّية، ما قد يؤسس لإعادة رسم التوازن السياسي في المنطقة في ربيع 2026.

أما اليوم، فاللائحة البلدية التي حملت اسم “سوا لجزين”، حرص التيار والنائب السابق أمل ابو زيد والنائب السابق إبرهيم عازار على حياكتها بدقة. إذ تضم شخصيات أكاديمية ومهنية. ركّزت في خطابها على برنامج متكامل يتناول الزراعة والاستثمار والسياحة وخلق فرص العمل والانماء، بالإضافة إلى شراكات تنموية مع منظمات ومؤسسات خارج لبنان. وهي تطرح نفسها كامتداد لمسيرة رئيس البلدية رئيس الاتحاد خليل حرفوش، في محاولة لاستثمار الإرث الإنمائي في المعركة السياسية.

أما اللائحة المنافسة “بلديتكن مستقبلكن”، المدعومة من القوات، فتفتقر، بحسب خصومها، إلى رؤية واضحة، وتحيط بها شبهات تتعلق بسلوك بعض أعضائها، ما زاد من تعقيد وضعها الداخلي وحدّ من زخمها السياسي.

في وقت، أعلن النائب السابق زياد أسود، الخارج من عباءة التيار، نيته تشكيل لائحة مختلطة تضم أسماء من اللائحتين المتنافستين سيقترع لها اليوم. غير أن قدرته على التأثير الفعلي تبقى موضع شك، في ظل التراجع الشعبي الذي يحيط به، وعدم اتضاح حجم كتلته الداعمة في المدينة.

بين التزكيات والمعارك أين تقع النيابة؟
على مستوى القضاء، ينقسم المشهد الانتخابي بين 14 بلدية حُسمت بالتزكية، و16 بلدية تشهد مواجهات فعلية، تتراوح بين تحالفات سياسية ومواجهات عائلية. وقد اعتمد التيار نهجًا براغماتيًا في عدد من البلدات، إذ ترك حرية الخيار لمناصريه، وساهم في التوافق حيث إستطاع، وخاض المعركة مباشرة في أماكن أخرى، محققًا بعض النجاحات، ومني ببعض الاخفاقات.

أما في اتحاد بلديات جبل الريحان، حيث الغالبية السكانية من الطائفة الشيعية، فقد اتخذت الانتخابات منحى مختلفًا، بين تزكيات محلية ومعارك عائلية لم تخلُ من تأثيرات سياسية، لكن بعيدة عن الاصطفافات الحزبية التقليدية.

مفارقة كبرى ظهرت في الحملة الانتخابية، تمثّلت في الهجوم الشرس من خصوم التيار لاسيما القوات اللبنانية على تحالفه مع عازار والثنائي الشيعي، في حين أن القوات نفسها عقدت تحالفات مماثلة في بلدة روم، وسبق أن تفاوضت مع عازار على تحالف انتخابي لم يكتب له النجاح.

لا شك أن انتخابات جزين البلدية اليوم هي أكثر من مجرد صراع محلي. إنها أم المعارك، وهي منصة إختبار أولي للتحالفات النيابية المقبلة. وإذا نجح التحالف القائم بين التيار وعازار والثنائي في فرض معادلة جديدة على الأرض، فقد يشكل ذلك نقطة انطلاق لعودة التيار إلى الساحة النيابية الجنوبية من البوابة البلدية.

في المقابل تواجه القوات اللبنانية تحدياً مصيرياً بعدما تراجع الزخم الذي أتى بها إلى مقاعد النيابة في القضاء وبعدما بات يشوب علاقاتها مع الشريك السني في دائرة صيدا جزين تساؤلات وشكوك حول مدى تماسكها.

في النهاية، تختصر معركة جزين اليوم بالاتي:
إستعادة موقع، وحضور، ومشروع سياسي. لكل طرف رهاناته، ولكل تحالف حساباته. ما هو واضح أن ما يجري في جزين لا يُبنى عليه فقط لمستقبل البلديات، بل يؤسس لاصطفافات جديدة على طريق الانتخابات النيابية المقبلة. والمشهد الانتخابي البلدي المشتعل اليوم ليس إلا عيّنة من الصورة الكبرى التي سترتسم جنوبًا في الاشهر المقبلة وإلى ربيع العام 2026.

ندى اندراوس- المدن

مقالات ذات صلة