اسرائيل مكشوفة أمنياً أمام صواريخ الحوثيين: ترامب – نتنياهو… فراق أم نفاق؟

هل قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يتعامل مع ملفات الشرق الأوسط منفرداً من دون تعاون أو تشاور مع أحد حتى لو كان ذلك حليفه الاسرائيلي التقليدي بنيامين نتنياهو؟

الجواب يميل في الظاهر الى هذا الانطباع استناداً الى أمرين: الأول الكشف عن اتصالات سرية مع ايران خلال لقاء علني مع نتنياهو المحرج في البيت الأبيض، والثاني الاتفاق مع الحوثيين على وقف العمليات التي تطاول الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب مستثنياً اسرائيل التي تتلقى في شكل شبه يومي صواريخ ومسيرات من الجبهة اليمنية.

هذا الانطباع عززه نتنياهو نفسه عندما اعتبر ما يجري بين واشنطن وصنعاء في مكان وواشنطن وايران في مكان آخر، أمراً لا يعنيه وقرر أن يتبع استراتيجية تقوم على شعار “اسرائيل أولاً” تيمناً بشعار “أميركا أولاً” الذي يرفعه ترامب منذ قرر خوض المعارك الرئاسية في بلاده.

وليست الغارة الاسرائيلية العنيفة التي استهدفت مطار صنعاء ومراكز حيوية أخرى ، الا رسالة من نتنياهو الى ترامب تفيد بأن الأخير ليس اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط، وأنه لا يملك ما يسمح له بعقد صفقات هنا وهناك تاركاً اسرائيل مكشوفة أمنياً أمام صواريخ الحوثيين من جهة وطموحات ايران النووية من جهة ثانية، اضافة الى ما تواجهه مع “حماس” في غزة وما قد تواجهه مع تركيا في سوريا و”حزب الله” في لبنان.

وسواء كان ذلك تضارباً في الآراء أو توزيعا للأدوار أو خلافاً حقيقياً، فثمة مصادر أميركية تكشف أن الاعلان عن “استسلام الحوثيين” عشية سفر ترامب الى الخليج ربما يهدف الى أمرين: التأكد من أن أي صواريخ حوثية لن تسقط على المنطقة خلال زيارته التي تشمل السعودية والامارات وهو أمر لا تبدو طهران بعيدة عن تمريره، واقناع أهل الخليج بأن أمنهم واقتصادهم وأنظمتهم ونهضتهم مرتبطة تماماً بالترسانة الأميركية المنتشرة في المنطقة، وهو أمر يتوخى من خلاله تحقيق هدفين آخرين، الأول ضخ بلايين الدولارات الخليجية في الاقتصاد الأميركي، والثاني فتح الطريق أمام تطبيع خليجي – اسرائيلي يأخذ في الاعتبار حقوق الفلسطيننين في غزة والضفة.

ويتردد في تل أبيب أن نتنياهو الذي يتبادل مع ترامب مشاعر الخيبة حيال الآخر، قرر انهاء حربه مع “حماس” على الطريقة الأميركية في اليمن، أي العمل العسكري المتواصل في الجو والبر سواء أدى ذلك الى تحرير رهائنه أو تصفيتهم، هامساً أمام معاونيه أنه لن ينتظر ضوءاً أخضر من أميركا كلما قرر القيام بعمل عسكري يراه حتمياً.

وأبلغ نتنياهو الى الأميركيين أن هناك ثلاثة خطوط حمر لا يمكن التساهل حيالها، وهي ابقاء الأجواء الاسرائيلية معبراً للصواريخ الحوثية التي بدأت تستخدم نوعية ايرانية متطورة، والثاني وضع سوريا في عهدة تركيا و”الاخوان المسلمين ، والسماح لـ “حزب الله” باعادة بناء منظومته العسكرية بأي شكل من الأشكال، اضافة الى السماح بانتاج سلاح نووي ايراني، خصوصاً بعد اكتشاف منشأة سرية في محافظة سمنان تعمل على انتاج هذا النوع من السلاح.

ولم تستبعد مصادر أميركية أن تكون اسرائيل وراء هذا الكشف في محاولة لاحراج ترامب عشية زيارته للخليج من جهة، وتقديم الحل العسكري على أي حل ديبلوماسي غير مضمون في حسابات تل أبيب من جهة أخرى.

وذهبت المصادر بعيداً الى حد القول إن نتنياهو يعرف أن ترامب لا يستطيع لجمه تماماً عندما يتعلق الأمر بأمن اسرائيل من جهة واستقرار المنطقة من جهة ثانية، مشيرة الى أن رئيس الوزراء الاسرائيلي يعرف أنه يخوض مع الرئيس الأميركي حروباً ضد أعداء مشتركين ولا يستطيع بالتالي سواء قسراً أو طوعاً الاعتراض على أي عمل عسكري اسرائيلي ما دام لا يجر الأميركيين الى حروب لا يريدونها أو لا يخططون لها، وفي مقدم ذلك التعرض للمنشآت النووية الايرانية.

هذا الخط الأحمر الذي يحرص نتنياهو على احترامه حتى الآن، لا ينطبق على أي مكان آخر لا سيما في غزة التي يتردد أن ثمة اتفاقاً اسرائيلياً – أميركياً يقضي بممارسة أقصى الضغوط على “حماس” لحملها على اطلاق الرهائن والقاء السلاح ونقل زعمائها الى دولة ثالثة، وأقصى الضغوط على “حزب الله” لحمله على تسليم سلاحه والتخلي عن عقيدته العسكرية.

ولم تستبعد المصادر أن تكون الغارات الاسرائيلية الأخيرة على الجنوب مقدمة لحملة جوية كثيفة ومتلاحقة على مواقع الحزب في كل أنحاء لبنان على غرار الحملة الأميركية على الحوثيين، بعدما تأكد للاسرائيليين والأميركيين أن الجيش اللبناني والسلطة السياسية في بيروت غير مستعدين للقيام بذلك تحت أي ظرف من الظروف.

وقد يقول قائل ان موضوع السلاح في لبنان مرهون بأي دخان أبيض قد يصعد من مئذنة المفاوضات الأميركية – الايرانية في مسقط وهو أمر صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن الاتفاق على الأثمان لم يبرم بعد وقد لا يبرم أبداً في وقت ترفض ايران أن تتحول الى دولة عادية مقطعة الأوصال، وفي وقت ترفض اسرائيل أن تتحول الى دولة غير عادية مرتهنة لأميركا، وترفض أميركا أن تتحول الى دولة غير مؤثرة في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط من شؤون وشجون.

انه التنافس بين متعجرف في واشنطن يسعى الى الغاء البعض وتحجيم البعض الآخر، ومجنون في تل أبيب يسعى الى افهام الأميركيين وكل من يعنيهم الأمر عرباً كانوا أو أجانب أنه لم يخض كل هذه الحروب ويفقد المئات من جنوده، كي يفتح الطريق أمام حلول قد تأتي ناقصة أو على حسابه، أو أمام رئيس أميركي وصل الى المنطقة المضطربة فاتحاً جيوبه بدل ترساناته، أو أمام سلطة لبنانية لا تقاتل اسرائيل ولا تسالمها ولا تقاتل “حزب الله” ولا تلجمه، معتبراً أنه وصل الى مرحلة تضعه أمام أمرين الأول ضمان أمن اسرائيل وخسارة الضمانات الأميركية، والثاني تصلب ايراني يمنع الوصول الى اتفاق نووي سلمي ويجر ترامب من يده الى خيار عسكري تعوّل عليه اسرائيل لا بل تسعى اليه بأي ثمن.

وحده الرئيس السوري أحمد الشرع فهم الرسالة وعرف من أين تؤكل الكتف، فانفتح على اسرائيل، وفق تقارير اعلامية في تل أبيب، وغازل الأميركيين مدركاً أنه خارج أي تناغم مع الاثنين سيجعل حكمه في دمشق قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.

انطوني جعجع-لبنان الكبير

مقالات ذات صلة