ترامب… مئة يوم من الخيبات: هل يعمد نتنياهو الى عمل مجنون في غزة أو لبنان أو ايران؟

لم تكن الأيام المئة الأولى من عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قدر الآمال التي عقدها أو الوعود التي أطلقها قبل عودته الى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني الماضي.
فلا رهانه على سلام روسي – أوكراني قد نجح في ازالة الهواجس الأوروبية أو في تطويع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أو تهدئة نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولا رهانه على حملة تهويل حادة قد نجح في إرغام حركة “حماس” على اطلاق الرهائن الأميركيين والاسرائيليين والموافقة على وقف اطلاق النار وفق الشروط الاسرائيلية، ولا رهانه على المساعدات الأميركية قد تمكن من اقناع الأردن ومصر بتوطين فلسطينيي غزة في أراضيهما.
وأكثر من ذلك، لم تنجح حملته الجوية المتواصلة على اليمن في سحب الحوثيين من محور الممانعة الذي تقوده ايران، ولم تسهم حربه التجارية مع الصين خصوصاً والعالم عموماً في تعزيز الاقتصاد المحلي أو ارضاء الرأي العام الأميركي الذي بدأ يشكك في استراتيجيات رئيسهم وفي أدائه وطباعه وتقلباته.
لكن أكثر ما يلفت المراقبين يكمن في الفتور الذي أصاب علاقته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي بدأ يكشف في كواليسه أن وضعه في زمن الرئيس السابق جو بايدن قد يبدو أفضل حالاً مقارنة مع وضعه الحالي في عهد ترامب الذي حرص على إفهامه أنه ليس اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط، ولا المحارب الذي يستطيع أن يحقق انتصارات حاسمة من دون الولايات المتحدة.
وتلمح مصادر قريبة من تل أبيب الى أن نتنياهو عاد من واشنطن أخيراً، كما عاد منها زيلينسكي، وقبله الملك الأردني عبد الله والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، مشيرة الى أن كل هؤلاء شعروا بأن الرئيس الأميركي تعامل معهم بصفتهم أتباعاً في مكان أو محتاجين في مكان آخر، هامسين في كواليسهم أنهم واجهوا في البيت الأبيض “تاجراً” يريد قبض ثمن بضائعه و”تحصيل” ديونه، أو سمساراً يبحث عن أفضل الصفقات بأفضل الشروط الممكنة.
هذا الانطباع انسحب على معظم المراقبين السياسيين والديبلوماسيين في العالم، متخوفين من أمرين محتملين، الأول أن يعمد ترامب الذي فقد الكثير من هيبته الى اتباع أي نهج أو أي حل يرضيه سواء جاء على حساب حليف أو لا، والثاني أن يعمد نتنياهو الى عمل مجنون في غزة أو لبنان أو ايران سواء حاز ضوءاً أخضر من البيت الأبيض أو لا.
الحل الذي يمكن أن يرضي ترامب، وفق هؤلاء المراقبين، يكمن في امكان ابرام اتفاق نووي جديد مع طهران يؤدي الى أمرين، الأول رفع العقوبات عن الايرانيين في مقابل تفكيك الشق العسكري من طموحاتهم النووية، والثاني التعاون معهم لتفكيك الأذرع الايرانية التي لا تزال ناشطة في المنطقة، والمقصود هنا في نوع خاص، ذراع “حزب الله” الذي تعتبره واشنطن الركن الذي قاد محور الممانعة في عز قوته والركن الذي يمكن أن يحييه مجدداً في عز ضعفه .
والحل الذي يمكن أن يرضي نتنياهو وفق هؤلاء أيضاً يكمن في مواصلة الحرب في غزة حتى القضاء على “حماس” ونفي قادتها، وفي لبنان حتى ارغام “حزب الله” على تسليم سلاحه والانسحاب من العمل العسكري نهائياً، وفي ايران حتى التأكد من أنها لن تكون قادرة على انتاج قنبلة نووية من الآن حتى مئة عام.
والسؤال هنا، ماذا عن لبنان وعلاقته مع “حزب الله” وهو العالق بين جامحين أميركي واسرائيلي لا يستطيع الحد من خطورتهما ولا التملص من ضغوطهما، وبين لغمين ايراني ولبناني لا يستطيع التعايش معهما ولا تفكيكهما سواء بالحسنى أو بالقوة؟
والسؤال أيضاً، ماذا في توقعات المراقبين وصانعي القرارات في العواصم الكبرى دولياً واقليمياً؟ وماذا لو شعر ترامب بأنه يحتاج الى أي شيء يحفظ له ما تبقى من زخمه؟ وماذا لو شعر نتنياهو بأنه يحتاج الى استقلالية ما في تعامله مع المخاطر التي تحوط به من أكثر من جبهة؟
الإجابات السريعة ليست في متناول اليد، لا في واشنطن ولا في ايران أو تل أبيب، بل في مكانين آخرين، الأول في مسقط حيث يراقب العالم مئذنة المفاوضات الأميركية – الايرانية ولون الدخان الذي يمكن أن يخرج منها، وفي الرياض حيث يحط ترامب قريباً بحثاً عن سبيل لاحياء “مشروع ابراهام” وتحريك خطوط التطبيع بين اسرائيل ودول الخليج.
انها الفرصة الأخيرة التي تسبق أمرين: الأول امكان الذهاب الى الخيار العسكري ضد ايران مع ما يستتبع ذلك من تداعيات مباشرة على لبنان، والثاني امكان الاكتفاء الأميركي باتفاق مع طهران وتناغم مع الخليج والانسحاب من الملفات الأخرى تاركة للحليف الاسرائيلي ما يتبناه من خيارات في كل من غزة وبيروت.
انها أيضاً الفرصة الأخيرة أمام “حزب الله” الذي يجد نفسه أمام واحد من خيارين: اما تسليم سلاحه تجنباً لضربة قد تكون قاضية من اسرائيل، واما التمسك به وتحويل لبنان الى مصدر خطر على الحكم الجديد في سوريا من جهة، وعلى القرار ١٧٠١ من جهة ثانية، وعلى الأمن الاقليمي من جهة ثالثة خصوصاً بعدما فكك الأردن خلية “اخوانية” تدربت في لبنان، وبعدما تعرضت منطقة القصير السورية لقصف من الجهة اللبنانية شرقاً.
وما ينطبق على الحزب ينطبق كذلك على الحكم الجديد الذي يجد نفسه أمام واحد من خيارين: الأول امكان الصدام مع “حزب الله” الذي يفتش عن أي مبرر يحفظ له سلاحه وعن أي عدو يبرر له هذا السلاح، واما التفرج على الدول الكبرى وهي تنسحب تدريجاً من المنطقة تاركة لبنان حيث تركته في العام ١٩٨٤عندما حزمت حقائبها وأبلغت الى قادته أن بلداً لا يعرف ماذا يريد ولا يجرؤ على الحرب ولا على السلام، هو بلد لا يستحق لا العون ولا حتى الوجود.
حتى الآن، لا تزال الأمور في المنطقة الوسطية بين الصدام المؤجل والوئام المنشود في انتظار تنازلات من ايران تمنع الانفجار الكبير أو تسهيلات من أميركا تصنع السلام الكبير، وكل ما عدا ذلك لن يكون أكثر من شراء للوقت يشبه الكرة الأرضية في زمن الحروب الباردة.
انطوني جعجع- لبنان الكبير



