حالة إنكار وإنفصال عن الواقع ومناورة تستثمرها إيران: “الحزب”… وصحوة الموت!

على الرغم من المواقف التصعيدية المتتالية لمسؤولي “حزب الله” منذ أيام قليلة، وتتويجها بكلام عالي النبرة لأمينه العام نعيم قاسم، هدّد فيه من تسوّل له نفسه التفكير في نزع سلاح “الحزب” بالويل والثبور، لم تأخذها جهات لبنانية رسمية ودولية على محمل الجد، ولعل أبرزها رد فعل الموفدة الديبلوماسية الأميركية مورغان أورتاغوس التي علّقت على كلام قاسم بـ”التثاؤب”، معتبرة أنه كلام مستهلك وقديم، مرّ عليه الزمن.

لا شك في أن كثيرين فهموا خلفية التصعيد الكلامي لقاسم ومسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “الحزب” وفيق صفا وعضو المجلس السياسي محمود قماطي وغيرهم، وهو مرتبط بما يجري من مفاوضات نووية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ولا يُستبعد أن تكون الأخيرة بحاجة إلى تجميع أوراق لاستخدامها في المفاوضات، وهي لا تزال تعتبر لبنان وسلاح “الحزب” أحد أوراقها المهمة.

لكن هذه الورقة تبدو محروقة نسبياً لأن “الحزب” بعد الحرب الاسرائيلية التي دمّرت بنيته العسكرية وقتلت قادته هو غير ما قبلها، ويفتقر إلى الفعالية والقدرة بل إن سرّ قوته أي طريق الإمدادات بالمال والسلاح أصبحت مقطوعة بعد سقوط النظام الأسدي، ولا أحد مقتنع بأن “الحزب” يستطيع في وضعيته الحالية المنهكة، مواجهة اسرائيل التي لم تتوقّف أصلاً حتى اليوم عن ملاحقة قادته الميدانيين ورصد تحركاته ومحاولات إعادة تأهيل نفسه، إضافة إلى أن الجيش اللبناني سيطر على كثير من مخازنه ومقراته العسكرية في جنوب الليطاني، وبات وجوده هناك ضعيفاً إلى حد كبير.

يعيش “الحزب” ومسؤولوه حالة إنكار وإنفصال عن الواقع، فيما يُعتبر وضعه الحقيقي بائساً جداً، وتشعر بيئته بالخذلان، بعدما تسببت حربه في تدمير البيوت وخسارة الأرزاق وقتل المئات ونزوح الآلاف، وقد قَبِلَ بإتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح لإسرائيل باستهداف أي نشاطات عسكرية له. أما الأكثر احراجاً لـ”الحزب” فهي الضغوط المحلية والدولية التي تمارس عليه لتسليم سلاحه في كل الأراضي اللبنانية تطبيقاً للقرار 1559.

لذلك جاءت مواقف قاسم وبعض القياديين في “الحزب” عكس مسار الأحداث، وخصوصاً أن ايران التي تستثمر في ورقة سلاحه في المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعرف أنه عاجز عن مواجهة اسرائيل، وأي خطأ يرتكبه قد يجعله يدفع الثمن غالياً كما يحصل اليوم مع الحوثيين في اليمن.

لكن قيادياً سياسياً سابقاً في “الحزب” يكشف أن الوضع متماسك سياسياً داخله، وهو أجرى مؤخراً مراجعة شاملة حول الحرب التي خاضها ضد اسرائيل في الصيف، وبالتالي تجنّب الردّ على الاعتداءات الاسرائيلية يؤكّد عودته إلى البراغماتية التي تمتع بها منذ العام 2006 حتى 2023.

أما تمسّكه بسلاحه، وفق القيادي السابق، فيأتي في سياق توجهاته الاستراتيجية، علماً أن الكلام عن أجنحة متصارعة في “الحزب” ليس دقيقاً، والمواقف الأخيرة لقياداته تؤكّد ذلك، وبدت كل المواقف متناسقة مع بعضها البعض.

والمفارقة أن النبرة التصعيدية التي يطل بها قاسم على وسائل الاعلام لا تعبّر عن بعض الثوابت التي وضعها “الحزب”، ويلفت القيادي السابق إلى أن الكلام شيء والواقع شيء آخر، فقاسم يرفع السقوف إلا أنه مقتنع مع كل قادة “الحزب” السياسيين بأن هناك خطوطاً حمراً في مسألة الاصطدام بأي طرف داخلي في لبنان.

ويشير إلى أنه بات معروفاً أن لا توازن عسكرياً بين “الحزب” واسرائيل، وخصوصاً أن الأخيرة حققت إنجازات كبيرة على هذا الصعيد، وما استجابة “الحزب” لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701 في جنوب الليطاني إلا اعترافاً ضمنياً بالهزيمة، وهو يعرف أن بيئته لم تعد قادرة على تحمّل أي معركة عسكرية.

وما كشفه القيادي السابق مهم جداً، إذ اعتبر أن هناك قراراً داخلياً في “الحزب” قد إتّخذ وهو اقتناعه بضرورة التحوّل إلى حزب سياسي، وهنا يلعب الرئيس نبيه بري دوراً كبيراً وقد صارح الأميركيين بالأمر، وهذا الأمر لم يعد سراً.

مع ذلك، تفرض المفاوضات النووية الأميركية-الايرانية نفسها على موضوع السلاح، ويرى القيادي السابق أن هذا الأمر يفسّر حدّة كلمات المسؤولين عن “الحزب” اليوم، إلا أن ما تبقى من سلاح بعد الحرب، لا يستطيع أن يغيّر معادلات، مع الأخذ في الاعتبار أن اسرائيل لم توقف عملياتها ضد “الحزب” ولا تزال تدمّر مخازنه وبنيته العسكرية وتقتل قادته العسكريين.

يصحّ القول إن ما يعيشه “الحزب” حالياً من مواقف تصعيدية هو “صحوة الموت”، والسلاح الذي يهدد به الآخرون، وفق القيادي السابق، لا يمكن استخدامه في الداخل، وما يفعله رئيس الجمهورية جوزاف عون يتميّز بالحكمة والفطنة، وهناك ارتياح كبير من “الحزب” لمواقفه ومسألة الحوار معه. ويوضح القيادي أن “الحزب” يحتاج إلى من يشجّعه على اللإنخراط في العمل السياسي وليس تحدي سلاحه وخصوصاً أنه قلق من الجهتين الاسرائيلية والسورية.

ويعتبر القيادي السابق أن المواقف الداخلية المتشددة من سلاح “الحزب” والمستعجلة على تسليمه للدول “تنقّزه” وتزعجه، وتدفعه إلى التشدّد، أما أسلوب الرئيس عون فيريح “الحزب” وخصوصاً أنه يفضّل أن تحصل عملية الحوار حول السلاح من دون مهل وضغوط، وهذا ما ذكره أول من أمس في بكركي.

في المحصّلة، لن يخوض “الحزب” أي مواجهة مع اسرائيل مهما اتّسعت عملياتها العسكرية، لأنه يعرف أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ينتظر مثل هذه الفرصة للإنقضاض على ما تبقى من سلاح “الحزب”، كما لن يجرؤ على فتح أي جبهة داخلية تجعله في مواجهة مع الجيش اللبناني، وبالتالي يُمكن وصف تصعيده السياسي الأخيرة بالمناورة التي تستثمرها إيران من دون أن تترجم بأي نشاط عسكري لـ”الحزب” على الأرض، مع محاولات تمييع مسألة تسليم السلاح ريثما تنتهي المفاوضات النووية وتظهر نتائجها.

جورج حايك- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة