“لا دخان بلا نار”: أين الخيط الأبيض من الأسود في تهريب السلاح إلى “الحزب”؟

“لا دخان بلا نار” هذا هو لسان حال المعارضين السياسيين لسلاح “حزب الله” في لبنان اليوم بعد التقرير المصوّر الذي بثته قناة “الحدث” أول من أمس وأثار بلبلة في الوسط الشعبي اللبناني، فخطاب “الحزب” وسلوكه لا يوحيان بالنوايا الحسنة لتسليم “السلاح”، إنما اللعب على الكلام، والرهان على ثلاثية “جيش شعب مقاومة”، ويبدو كأنه يتحيّن الوقت ليعود إلى نشاطه العسكري بعدما ألحقت به اسرائيل هزيمة كبيرة في الصيف الفائت.
يعلم معارضو سلاح “الحزب” أن معظم طرق التهريب أقفل أمام “الحزب” وأهمها سوريا الشريان البريّ التاريخي والأكثر فعالية على مدى الأعوام السابقة، لكن ضربة سقوط نظام بشار الأسد وخسارة إيران لنفوذها هناك، أرغم “الحزب” على الإنكفاء، فحاول بواسطة العشائر اللبنانية على الحدود الشرقية الشمالية فتح “كوّة”، لكنه إصطدم بجيش الادارة السورية الجديدة، وبادرت السعودية إلى مساعدة المسؤولين اللبنانيين عبر جمعهم مع المسؤولين السوريين وحلّ هذه المسألة وسحب الورقة من يد “الحزب” ونشر الجيش اللبناني على الحدود، وقد نجح في ذلك.
الطريق الثانية التي كان يستخدمها “الحزب” هي مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وهو كان تحت السيطرة الأمنية المطلقة لـ”الحزب” سواء أكانت طريق المطار أو داخله بواسطة بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية المحسوبين عليه، إلا أن “الحزب” بعد الحرب، بدأ يخسر هذه الورقة نتيجة الضغوط الدولية، وإعادة الإعتبار الى الدولة نسبياً وتعيين مسؤولين في المطار غير مقرّبين من “الحزب”، وقد منعت السلطات اللبنانية بعض المحاولات لتهريب الأموال له عبر مندوبين أتراك، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الايرانية التي يُشتبه بتهريبها الأموال له.
أمام هذا الواقع الصعب الذي يواجهه “الحزب” ويشبه الحصار، يجد معارضوه أنه ليس مستبعداً أن تلجأ ايران إلى الطرق البحرية لنقل السلاح إليه، وخطاب مرشدها علي خامنئي يُركّز على أن المقاومة مستمرة في لبنان، وهذا دليل علني على أن ايران لم تتخلَّ عن “الحزب”، كذراع عسكرية لها، على الرغم من الضغوط الدولية الكبيرة.
لكن باحثاً في شؤون الأمن والدفاع يتحدث عن عاملين يصعّبان تصديق هذا التقرير الذي قد تكون وراءه أجهزة مخابرات دولية: الأول يتعلّق باسرائيل التي ترصد على مدار الساعة تحركات “الحزب” وعمليات تهريب السلاح إليه، ومن البديهي أن تكون الطرق البحرية مراقبة منها، وبالتالي من الصعب على ايران نقل السلاح بسهولة عبر مرفأ بيروت.
العامل الثاني لا يقل أهمية وهو الحكومة اللبنانية وأجهزتها الأمنية التي تتعرّض لضغوط دولية للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وممارسة دورها الرقابي والاجرائي في منع أي عملية تهريب سلاح لـ”الحزب”، وهذا ما دفع وزير الأشغال العامة فايز رسامني إلى نفي الموضوع بسرعة، مطالباً بدليل. ووعد بأن يكون العمل الرقابي في مرفأ بيروت بالقوّة نفسها الذي جرت فيه بالمطار، وتحرّك بسرعة لعقد اجتماع مع الأجهزة الأمنيّة في المرفأ لضبط الأمور، على الرغم من أن كلام المدير العام لمرفأ بيروت عمر عيتاني أكّد أنه لا يُملك صلاحية التدقيق في محتوى البضائع، إنما هي من مهام الجمارك والأجهزة الأمنية.
الموضوع الذي أثارته قناة “الحدث” خطير جداً إذا كان صحيحاً، لأنه يحرّض اسرائيل على توجيه ضربات الى مرفأ بيروت إذا تثبتت من وصول سلاح إليه، وهذا المشهد قد يثير نقمة الشعب اللبناني إذ لم ينسَ حتى اليوم انفجار المرفأ الذي دمّر العاصمة عام 2020. ويعتبر معارضو سلاح “الحزب” أن المريب في الموضوع هو إدراج إسم مسؤول وحدة التنسيق والارتباط وفيق صفا في التقرير، وهو شخصية دورها يتنامى داخل “الحزب” بعد النقص الحاصل نتيجة الاغتيالات الكبيرة التي طالت قياديين بارزين، ولا سيما رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين، ورئيس الوحدة 4400 محمد جعفر قصير… علماً أن صفا نفسه تعرّض لمحاولة اغتيال ونجا منها، وأهميته أنه كان مقرّباً جداً من حسن نصر الله مهنياً وعائلياً ويعرف أسراراً كثيرة وعميقة داخل “الحزب”، ويبدو أنه يتزعّم اليوم تيار الصقور في “الحزب” إلى جانب خليل حرب. واللافت أن صفا كان دائماً صلة الوصل بين “الحزب” والأجهزة الأمنية اللبنانية، لذلك يبدو أن إدراج إسمه في مسألة تقرير نقل السلاح عبر مرفأ بيروت منطقي، ولديه قدرة على بناء شبكة من المتعاونين بين عمال مرفأ بيروت وموظفي الجمارك، الذين يستطيعون تجاوز الرقابة الحكومية وتهريب الأموال والأسلحة إلى البلاد من دون أيّ تدقيق.
وتقول معلومات سابقة إن صفا تورّط سابقاً في عمليات تهريب المخدرات والأسلحة وتسهيل حركة عناصر “الحزب” في المرافئ البحرية والجوية وعلى مختلف المعابر الحدودية، ويُعتبر ناشطاً جداً في جمع التبرعات لأنصار “الحزب” ومقرباً من رجال الأعمال، وكان منخرطاً في السياسة وله علاقات جيدة مع شخصيات بارزة.
ومع بروز هذا التقرير حول تهريب السلاح الذي أثار الجدل في المجتمع اللبناني، يعود كثيرون بالذاكرة بضعة أشهر إلى الوراء، عندما قامت فرقة كومندوس اسرائيلية بإنزال في البترون واعتقلت القبطان البحري عماد أمهز، معتبرة أنه متورّط في عمليات تهريب بحري لصالح الوحدة 4400 التابعة لـ”الحزب”.
منذ الأمس، تضجّ وسائل الاعلام الاسرائيلية بالتداول في مضمون هذا التقرير، وتوليه أهمية خاصة، ما يدعو إلى القلق، كإستغلال اسرائيل هذه المعلومات، ولو كان مشكوكاً بأمرها، للإعتداء على مرفأ بيروت، وربما تنشط في مراقبتها وإجراء دوريات بحريّة لقمع مثل هذه العمليات التي تعيد تعويم “الحزب” بالسلاح والمال.
ويلفت ناشطون معارضون لسلاح “الحزب” إلى أن الأجهزة الأمنية اللبنانية عموماً والجيش اللبناني خصوصاً، يُطلب منهم إعلان حالة استنفار لمنع عمليات تهريب سلاح عبر البحر والجوّ والبرّ، لأن من شأن ذلك تعريض الأمن القومي اللبناني للخطر، في وقت تقوم اسرائيل بمطاردة أنشطة “الحزب” على نحو دقيق، وبالتالي لا يجوز الاستهانة بالأمر.
جورج حايك- لبنان الكبير



