🟠رفيق الحريري الذي لا يغيب: من يضع الحجر التالي؟

رفيق الحريري الذي لا يغيب

يقول سمير عطا الله في شرح التفرّد والفرادة: عندما أسس كمال جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي، جمع حوله أهم وأعمق وأكثر الرجال كاريزما، لكنه ظل الزعيم الوحيد. والتفّت حول ريمون اده عصبة من أفضل الناس، وظل العميد الوحيد. ووقف الى جانب بيار الجميّل جمهرة من الألمعيين، وبقي وحده الشيخ بيار.

ثمّة رجال لا تقاس المسافة بينهم وبين أوطانهم بالسنوات التي أمضوها في الحكم، ولا بما شغلوا من مناصب، ولا حتى بما تركوه من إنجازات، بل تقاس المسافة بما يبقى منهم حين يغادرون، وبما يعجز الآخرون عن تعويضه بعد غيابهم.

رفيق الحريري واحد من هؤلاء، فبعد أكثر من عقدين ونيف على اغتياله، لا يزال اسمه حاضراً في وجدان الناس وفي يوميات البلد، لا بوصفه ذكرى تستدعي الحنين، بل باعتباره وجهاً لمرحلة كان فيها مشروع ومستقبل وأفق.

تتبدل الوجوه، وتتغير الحكومات، وتتوالى التسويات أو الانقلابات السياسية، لكن السؤال يبقى نفسه: لماذا كان ممكناً في زمن رفيق الحريري أن يحلم لبنان بالنهوض، فيما صار الحلم اليوم محصوراً بالخروج من الانهيار؟

مشروع عبقري وقدرة هائلة

لم تكن قيمة رفيق الحريري في أنه أعاد بناء وسط بيروت، أو أطلق مشاريع الإعمار، أو فتح أبواب التعليم أمام آلاف اللبنانيين. كانت قيمته الأعمق في أنه جمع هذه العناصر ضمن رؤية واحدة أكدت أن لبنان قادر على استعادة عافيته، وعلى أن يكون بلداً طبيعياً، ودولة ذات مؤسسات، ومجتمعاً منفتحاً، وعضواً فاعلاً في محيطه العربي والعالم.

كان يعرف أن لبنان ليس بلداً قابلاً لإعادة التأسيس في كل مرة، وأن استقراره لا يقوم على انتصار فريق على آخر. لذلك سعى إلى بناء مساحات مشتركة، وإلى جعل الاقتصاد والتعليم والانفتاح أدوات لتثبيت الشراكة الوطنية.

في تجربته السياسية، حاول أن ينقل اللبنانيين من منطق الجماعات المتقابلة إلى فكرة الدولة التي تتسع لهم جميعاً. لم تكن تجربته خالية من الأخطاء أو مواضع الخلاف، ولا كانت خياراته بمنأى عن النقد، لكن ذلك لا يحجب حقيقة أنه امتلك مشروعاً عبقرياً واضح المعالم، وقدرة هائلة على تحويل مشروعه إلى وقائع.

لم تظهر بعده صيغة استطاعت أن تملأ هذا الفراغ، فالمشكلة لم تكن في غياب شخصية بالغة الأثر، وإنما في غياب القدرة على إنتاج مشروع واقعي مكتمل الأركان، وهذا ما أدخل البلد في سلسلة من الأزمات المركبة، حتى انتهى به الحال إلى انهيار سحيق لم يعد بالإمكان تطويقه أو احتواؤه بالتسويات المؤقتة.

توالت السنوات، ولم يضع أحد حجراً فوق حجر بالمعنى الذي يجعل البناء مشروعاً متكاملاً. تراجعت الدولة، وتآكلت مؤسساتها، وانكمش الاقتصاد، وهجر اللبنانيون بلادهم أو فقدوا ثقتهم بها. لم تعد هناك رؤية تجمع الإعمار بالسيادة، والنمو بالاستقرار، والعلاقة العربية باستقلال القرار الوطني. وكأن اغتيال الحريري لم يقطع مسار رجل فحسب، بل فتح الباب أمام مرحلة طويلة من الارتباك والاستنزاف واللايقين.

من يضع الحجر التالي؟

ليس في استعادة رفيق الحريري دعوة إلى تقديس تجربته أو اعتبارها وصفة جاهزة لكل المراحل. فالبلاد تغيرت، والظروف تبدلت، والتحديات الراهنة مختلفة في شكلها وفي مضامينها. لكن ثمة ثوابت لا تتغير، فلا دولة بلا مشروع، ولا نهوض بلا رؤية، ولا مستقبل يُصنع بإدارة الأزمات وحدها. وهذه بالتمام والكمال هي الهوة التي اتسعت بين لبنان الذي كان رفيق الحريري يحاول بناءه، ولبنان الذي نعيش فيه اليوم.

في عيد ميلاده، لا يبدو السؤال ماذا كان سيفعل رفيق الحريري لو بقي حياً. السؤال الأكثر واقعية وإيلاماً هو لماذا عجز لبنان طوال أكثر من عشرين عاماً عن إنتاج مشروع مشابه، وعن تحويل ما بقي من إرثه السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى فرصة للنهوض؟

لعل رفيق الحريري لا يغيب لأن اللبنانيين لم يعتادوا غيابه، بل لأن البلاد لم تستطع حتى الآن أن تتجاوز اللحظة التي غاب فيها. فحضوره ما زال يتقدم كلما تعثرت الدولة، وكلما أخفقت السياسة في تقديم أفق، وكلما احتاج اللبنانيون إلى دليل على أن هذا البلد يستطيع أن يكون أكثر من مجرد ساحة لتناسل الأزمات.

كثيرون جلسوا إلى طاولة رفيق الحريري، لكن لا أحد يستطيع القول أنّه تسلّم منه شهادة التخرّج.

قاسم يوسف- اساس

مقالات ذات صلة