🟠كبتاغون السويداء…ورسائل باراك إلى إسرائيل: ما الذي يجري داخل المحافظة؟!

لماذا يفتح المبعوث الأميركي توم باراك ملفّ الكبتاغون في السويداء الآن؟ وهل يستهدف الشيخ حكمت الهجري وحده، أم أنّ رسالته تتجاوز الشيخ الدرزي إلى إسرائيل نفسها؟ خلف الاتهامات بتحوّل الجنوب السوري إلى مركز لتصنيع المخدّرات والاتجار بها، تتكشّف معركة سياسية تتداخل فيها حسابات السلاح والنفوذ والتسوية مع دمشق، فيما تبدو السويداء عالقة بين ضغوط واشنطن وطموحات تل أبيب وشروط القوى المحلية.

لم يكن تصعيد باراك ضدّ الشيخ حكمت الهجري، مجرّد سجال سياسي عابر. فاتّهامه المنطقة الممتدّة بين السويداء ودرعا بأنّها “مركز عالمي لتصنيع الكبتاغون والاتجار به” أعاد فتح ملفّ المخدّرات وتمويل السلاح، في لحظة تتعثّر فيها التسوية مع دمشق وتزداد فيها التعقيدات الأمنية والسياسية في الجنوب السوري.

لا تستهدف رسائل باراك الهجري وحده، بل تتجاوز ذلك لتطال إسرائيل أيضاً، من دون أن يعني ذلك انقلاباً من واشنطن على تل أبيب، بقدر ما هو تباين بين العاصمتين حول الرؤية لمستقبل سوريا. فما الذي يجري داخل المحافظة؟ ولماذا اختار المبعوث الأميركي هذا التوقيت لتصعيد موقفه؟

الهجري في مرمى باراك

قال باراك إنّ ما يقلقه في الجنوب السوري ليس إسرائيل، بل شيخاً درزياً يستغل الانطباع بوجود دعم إسرائيلي وتوافق أميركي لاضطهاد دروز آخرين، في إشارة إلى الهجري من دون أن يسمّيه صراحةً.

نفى المبعوث الأميركي أن تكون واشنطن تدعم الشيخ الهجري، معتبراً أن عائدات تجارة الكبتاغون تتيح لمجموعات محلية تمويل تسليحها. وفي المقابل، لم يؤكد التقارير التي تحدثت عن تسليح إسرائيل مجموعات في السويداء، وإن أشار إلى إمكان نقل الأسلحة عبر الحدود. وبذلك، جمع باراك بين نفي وجود غطاء أميركي للهجري والتشكيك بمصادر تمويل المجموعات المسلحة، واضعاً ملف المخدرات في صلب المواجهة السياسية الدائرة حول المحافظة.

المخدرات والسلاح… وقائع وأسئلة

نشطت شبكات تهريب الكبتاغون في جنوب سوريا خلال عهد بشار الأسد، وسط اتهامات بتورط أجهزة أمنية ومهربين محليين، من بينهم راجي فلحوط، قائد مجموعة مسلحة ارتبطت سابقاً بالمخابرات العسكرية. ولم يؤدِ سقوط النظام إلى اختفاء طرق التهريب أو تفكيك جميع الشبكات التي كانت تنشط عبرها.

في أيلول 2026، أعلنت السلطات السورية ضبط 218 ألف حبّة كبتاغون و44 كيلوغراماً من الحشيش وأجهزة لتحديد المواقع في ريف السويداء، ضمن محاولة تهريب إلى الأردن باستخدام بالونات موجهة. كذلك، سبق أن استهدفت غارات أردنية مواقع قالت عمان إنها مرتبطة بشبكات المخدرات والسلاح.

تؤكّد هذه المضبوطات استمرار نشاط التهريب، لكنها لا تكفي، بمفردها، لإثبات أن المحافظة تحولت إلى مركز عالمي لتصنيع الكبتاغون. وفي موازاة ذلك، وُجهت اتهامات إلى عناصر من “الحرس الوطني”، وهو تشكيل مسلح مرتبط بالهجري، بتلقي رشاوى مقابل توفير الحماية للمهربين.

في شباط 2026، أعلنت السلطات السورية اعتقال ناصر فيصل السعدي، قائد مجموعة مسلحة من مدينة صلخد جنوب السويداء، واتهمته بالاتجار بالمخدرات والسلاح. وبحسب رواية السلطات، ارتبط السعدي سابقاً بتنظيم “نسور الزوبعة” التابع للنظام السابق، قبل أن ينضم إلى “الحرس الوطني”، كما كانت له صلات بالحزب في لبنان. ولم تثبت جميع هذه الاتهامات علناً على الأقل لكنها تثير تساؤلات بشأن انتقال بعض شبكات النفوذ المسلّح من مرحلة النظام السابق إلى المرحلة الراهنة، ومدى استمرار الروابط التي كانت تجمع بين أطرافها.

أصوات معارضة تحت ضغط السلاح

داخل السويداء، ثمة أصوات تعارض ممارسات “الحرس الوطني” وترفض ربط مستقبل المحافظة بإسرائيل، فيما تشير تقارير محلية إلى أن آخرين يخشون التعبير عن مواقفهم علناً، خشية الاعتقال أو الاستهداف. فالمجتمع الدرزي ليس موحداً خلف الهجري، كما أن رفض سلطة دمشق لا يعني بالضرورة القبول بالارتباط بتل أبيب، ولا سيما أن المحافظة تضم مرجعيات دينية وقوى محلية تتباين في خياراتها السياسية.

تتغذى هذه المخاوف من حوادث أمنية متفرقة، أبرزها مقتل أحد أبناء عائلة جنيد عند حاجز على طريق شهبا مطلع أيلول، بعدما اتهمت العائلة منتسبين إلى لجنة أمنية مرتبطة بـ”الحرس الوطني” بالمسؤولية عن مقتله. كذلك، أُثيرت قضية وفاة مالك أحمد الدرزي، المنحدر من ريف درعا، بعدما انقطعت أخباره منذ تموز 2025، وسط روايات متباينة بشأن الجهة التي احتجزته والظروف المحيطة بوفاته.

تحدثت تقارير أيضاً عن توقيف معارضين بسبب رفع العلم الإسرائيلي أو المشاركة في مسيرات مؤيدة لإسرائيل، من دون أن تكون المسؤوليات الجنائية في هذه القضايا قد حُسمت. وتكشف هذه الوقائع، في مجملها، عن مناخ من التوتر والخوف، في ظل تضارب الولاءات وتعدد مراكز النفوذ المسلح داخل المحافظة.

لم تبقَ تداعيات الأزمة محصورة في المشهد الأمني والسياسي، بل امتدت إلى الحياة اليومية للسكان. فقد تحول حاجز أم الزيتون على طريق دمشق – السويداء إلى أداة ضغط تتحكم بحركة المدنيين وتنقلاتهم، بعدما شهد الطريق عمليات إغلاق وإعادة فتح متكررة. وفي هذا السياق، وُجهت اتهامات إلى “الحرس الوطني” بالتحكم بفتح المعبر وإقفاله وفق حساباته وقراراته، ما يجعل تنقل السكان بين المحافظة والعاصمة رهناً بإرادة القوى المسلحة، ويطرح تساؤلات عن الجهة التي تملك فعلياً سلطة القرار داخل السويداء.

أما التعليم، فقد أصيب بدوره بتداعيات الأزمة. فوفق أرقام حكومية نقلتها وكالة “رويترز” في 2 تشرين الأول، لم يتمكن سوى 150 طالباً من أصل 13,700 من تقديم الامتحانات المطلوبة للانتقال إلى المرحلة الثانوية أو الجامعة عام 2026. وترافقت هذه الأزمة مع اتهامات لمسلّحين بعرقلة نقل الطلاب، فضلاً عن مخاوف لدى الأهالي من إرسال أبنائهم إلى مناطق خاضعة لسيطرة دمشق، في أعقاب الأحداث سنة 2025. هكذا، بات مستقبل آلاف الطلاب معلّقاً بين الانقسام السياسي وغياب الضمانات الأمنية، في مؤشر إلى اتساع الكلفة الاجتماعية للأزمة.

رواية الهجري المقابلة

في المقابل، ترفض “إدارة جبل باشان” المرتبطة بالهجري الاتهامات التي وجهها باراك، وتنفي أن تكون السويداء مركزاً لتصنيع الكبتاغون، محملةً شبكات عابرة للحدود وأجهزة أمنية وميليشيات مسؤولية إدارة تجارة المخدرات وحمايتها. وتفيد روايات محلية بأن مهربين ينتمون إلى مجموعات بدوية، إلى جانب شبكات مرتبطة بالنظام السابق، يشاركون في هذه التجارة، فيما لا يمثل الدروز المتورطون فيها، وفق هذه الروايات، الطائفة، بل يُنبذون اجتماعياً. غير أن حالات الإبعاد المزعومة لم تخضع، بحسب المتاح، لتوثيق مستقل.

تنفي الإدارة كذلك أن يكون الهجري قد طلب غطاءً أميركياً، معتبرةً أن تصريحات باراك تستهدف المحافظة وقياداتها. لكن هذا النفي، في حد ذاته، لا ينفي استمرار نشاط التهريب الذي توثقه عمليات الضبط، ولا يحسم في المقابل مسؤولية القوى المسيطرة على الأرض عن مكافحته أو عن أي تجاوزات قد تُرتكب في مناطق نفوذها.

الرسالة إلى إسرائيل

بحسب مصادر “أساس ميديا”، تحولت السويداء إلى مأزق سياسي بالنسبة إلى باراك، في ظل تمسك الهجري بشروطه، واستمرار التوغلات الإسرائيلية، وتعثر التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق. وترى هذه المصادر أن إثارة ملف الكبتاغون تحمل رسالة مزدوجة: الضغط على القوى المحلية للعودة إلى مسار التسوية، وإحراج تل أبيب عبر طرح تساؤلات عن مبررات دعم مجموعات مسلحة في منطقة تتداخل فيها شبكات السلاح والمخدّرات.

يبرز هنا سؤال أساسي: كيف يمكن لإسرائيل تبرير دعم مجموعات في السويداء، في وقت يتهم فيه المبعوث الأميركي مجموعات محلية بالاستفادة من تجارة المخدرات لتمويل تسليحها؟ هذا هو السؤال الذي ترى المصادر أنه يكمن خلف تصريحات باراك، من دون أن يعني ذلك توجيه اتهام مباشر إلى إسرائيل بالاتجار بالمخدرات، أو إثبات تورط جميع المجموعات التي تحظى بدعمها في هذه الأنشطة.

تتقاطع هذه القراءة مع خارطة طريق عمان لمعالجة أزمة السويداء ضمن إطار الحفاظ على وحدة سوريا، فيما يوظف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الورقة الدرزية في حساباته الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، تتحدّث المصادر عن احتمال توسيع السيطرة الإسرائيلية باتجاه درعا إذا فشلت المفاوضات، لا عن قرار عسكري معلن في هذا الشأن.

هكذا، تحاول واشنطن ممارسة الضغط على الهجري وإسرائيل في آنٍ واحد، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع تل أبيب. وبين توظيف ملف المخدرات أداةً للضغط السياسي، واستمرار التعقيدات الأمنية والميدانية، يبقى السؤال: هل تدفع الرسالة الأميركية المزدوجة الأطراف المعنية نحو التسوية، أم أن تعثرها سيفتح الباب أمام تكريس واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب السوري؟

اساس ميديا

مقالات ذات صلة