🟠 خاص – نانسي عجرم من البطيخ إلى المشبك… كل ما تغيّر هو “البسطة” !

رحاب ضاهر
لم تكن نانسي عجرم يوماً فنانة القالب الواحد، وهي واحدة من أهم نقاط قوّتها، إذ استطاعت على امتداد مسيرتها أنْ تنتقل بين الأغنية الرومانسية والشعبية والبوب، وأنْ تحافظ على حضورها في كل منها. لذلك، فإن عودتها إلى أجواء بداياتها في كليب «بستفزك» تفتح باباً للسؤال حول ما إذا كانت تستثمر هذا الماضي بذكاء، أم تكتفي بـ”إعادة تدوير” وصفة سبق أنْ حقّقت نجاحاً.
الكليب الذي صدر في 14 تشرين الأول، يجمع نانسي بالمخرج جو بو عيد، الذي تعاونت معه في «ما تيجي هنا» عام 2014، وبالممثل أيمن موسى، الذي ظهر في الكليب السابق بدور الشرطي، لكن هذه المرّة، تتخلّى نانسي عن بيع البطيخ لتبيع الحلويات في محل يحمل اسم «حلويات الست»، حتى إنّها تقول في الأغنية: «غيّرنا المصلحة»، وكأنّ العمل يريد أنْ يعلن منذ البداية بأنّه امتداد لتجربة سابقة، مع بعض التعديلات التي تناسب المرحلة الجديدة.
فكرة الطعام بحد ذاتها لطيفة، وتنسجم مع الصورة الشعبية التي ارتبطت ببعض أغنيات نانسي، من «أخاصمك آه» إلى «حُبّك سفاح»؛ فالأكل هنا جزء من أجواء الدلع والمشاكسة التي أتقنت نانسي تقديمها، وليس تفصيلاً غريباً عن عالمها الفني، لكن السؤال هو: هل من الجيّد تكرار هذا العنصر إلى درجة يصبح معها الطعام جزءاً من هوية نانسي عجرم الفنية؟، من بائعة البطيخ إلى بائعة «زنود الست»، تتكرّر الفكرة نفسها، في حين أنّ لدى نانسي من التنوّع ما يسمح لها بابتكار صور أخرى لا تقل جاذبية.

بصرياً، يُعيد «بستفزك» تقديم الحارة الشعبية والرقص والناس المحيطين بالنجمة، في أجواء تستحضر «ما تيجي هنا» بوضوح. أما الإطلالة، فتذهب إلى جرعة أعلى من الجرأة، مع فستان أسود ضيق وحمّالة صدر حمراء ظاهرة من تحته، في إطلالة بدت متعمّدة في إبراز «الفجاجة»، على نحو لا يشبه الصورة التي اعتدناها من نانسي عجرم، ولا يتعلّق الأمر هنا بالاعتراض على الرقص أو إظهار المفاتن، فهذه خيارات فنيّة لا مشكلة فيها بحد ذاتها، بل بمدى حاجة نانسي إلى المبالغة في استخدامها كي تجذب الانتباه.

نانسي اليوم ليست مضطرة لإثبات قدرتها على الرقص في الحارة، ولا إلى الاعتماد على الإغراء المباشر لتؤكد حضورها، إذ تتمتّع بتجربة طويلة وجمهور يعرفها، والأهم أنّها تملك القدرة على الوصول إلى الناس بكلمة تعلق في أذهانهم ولحن يردّدونه، كما فعلت في محطات كثيرة من مسيرتها. وهذا لا يعني أنّ عليها التخلّي عن صورتها الشعبية، بل أنْ تجد لها مساحة جديدة تتناسب مع خبرتها الفنية، بدلاً من الاكتفاء باستعادة عناصر نجحت قبل سنوات.
في «أخاصمك آه»، بدت المشاكسة جزءاً من عفوية نانسي وخفّة ظلها في بداياتها الفنية. أما في «بستفزك»، فيبدو التركيز على الرقص والإغراء أكبر من مساحة التجديد، لكن هذا «الاستفزاز البصري» وحده لا يكفي لصناعة تجربة تترك أثراً يتجاوز لحظة المشاهدة.

والمفارقة أنّ نانسي قدمت قبل نحو شهرين «اشهدي يا دني» في أجواء رومانسية وطبيعية، مستفيدة من البحر والمناظر اللبنانية، لتثبت مجدّداً أنّها قادرة على تقديم صورة مختلفة، فلماذا تعود سريعاً إلى الوصفة الشعبية نفسها، وبجرعة بصرية أكثر مبالغة؟
نانسي بحاجة للتعامل مع نجاحاتها السابقة باعتبارها رصيداً تنطلق منه، لا قالباً تعود إليه كلما أرادت استحضار صورتها القديمة، فالجمهور الذي أحبَّ خفّة ظلها ودلعها الشعبي، لا ينتظر منها تكرار الماضي بقدر ما ينتظر أن تفاجئه من جديد.
View this post on Instagram
وهي ليست بحاجة إلى أنْ «تغيّر المصلحة» من بيع البطيخ إلى المشبّك والعوّامات وحتى البقلاوة، بقدر حاجتها إلى تجديد خياراتها الفنية، من المؤلّفين والملحّنين والموزّعين إلى المخرجين، والبحث عن أفكار وصور جديدة، لا أنْ تحصر نفسها في وصفة سبق ونجحت فيها، فقد حان الوقت لتغادر محلات بيع الطعام قبل أنْ تُصاب بالتخمة الفنية، وتفتح أمام أغنياتها وصورتها أبواباً جديدة، تذكّر جمهورها بأنّ نانسي التي أحبّها لم تكن يوماً مجرّد بائعة بطيخ أو درّاق، بل فنانة تعرف كيف تستقطب جمهوراً من كافة الأعمار وتمنح نفسها فرصة التجديد بدل الدوران في فلك تجارب سابقة.

ولا ينقصها أنْ تستعيد وصفات قديمة، ولا أنْ تلجأ إلى الرقص والمبالغة في «الإغواء” لتلفت الانتباه، بل أنْ تفاجئ جمهورها ومحبيها، بأغنيات وأفكار جديدة، لا بتكملة كليب مضى عليها أكثر من عقد من الزمن، حين كانت تلك الصورة تناسب مرحلتها. عليها أنْ تتقدّم فنياً، لا أنْ تعود إلى الوراء، من البطيخ إلى المشبك، وكأن كل ما تغيّر هو «البسطة»!
خاص Checklebanon



