🟠رسالة من الحزب الى عون: «حكمة رئاسية» منعت تفجير شاحنة ضهر البيدر بالبلد؟

بعد التصعيد السياسي والإعلامي الذي رافق قضية شاحنة ضهر البيدر، نجحت الاتصالات السياسية التي قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري في احتواء المواجهة التي كانت تتهدّد جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت بعد ظهر أمس في بعبدا، على خلفية البند السابع من جدول الأعمال، المتعلّق بطلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وبعد نحو أربع ساعات من المداولات، خرجت الحكومة بتفاهم قضى بتأجيل الإحالة، في انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، من دون أن تنجح في إخفاء الانقسام السياسي الذي ظهر مع انسحاب وزراء «القوات اللبنانية» من الجلسة.
المخرج الذي جرى التوصل إليه لم يكن قراراً بحسم الخلاف حول القضية، بل اتفاقاً ضمنياً على فصل المسار السياسي عن المسار القضائي، وتجنّب التصويت على الإحالة في هذه المرحلة. وبحسب معلومات «الأخبار»، انضم حزب الكتائب إلى المناخ الذي أتاح تمرير التفاهم، بعدما لبّى رئيسه سامي الجميل دعوة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى بعبدا قبل الجلسة، في إطار اتصالات هدفت إلى منع انتقال الخلاف إلى صدام داخل الحكومة. وفي المقابل، بقي انسحاب وزراء «القوات» التعبير الأبرز عن اعتراض الفريق المطالب بإحالة الملف إلى المجلس العدلي.
وكانت الساعات التي سبقت الجلسة قد شهدت تصعيداً سياسياً وإعلامياً، على وقع تحذيرات حزب الله من المضي في الإحالة، التي اعتبرها غير مستندة إلى أساس قانوني، محذّراً من أن تحويل القضية إلى مواجهة داخلية قد يضع المقاومة في مسار تصادمي يراه الحزب مكمّلاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان. ولم يكن اعتراضه محصوراً في المرجعية القضائية، بل ارتبط أيضاً بقراءته للمسار السياسي الذي يمكن أن تفتحه القضية، في ظل الخلاف القائم حول السلاح والعلاقة مع الدولة، معتبراً أن «هذا قرار بإعدامه وتوريطه في صدام داخلي يتسبب له بمقتل».
ورغم ارتفاع سقف المواقف، التزم حزب الله تهدئة إعلامية لافتة، متجنّباً التصعيد العلني المباشر في وجه عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وبحسب المعلومات، أرسل الحزب عبر الوسطاء رسالة مفادها أن «تجنّب الإحالة يمكن أن يشكّل خطوة يُبنى عليها، خصوصاً في ظل انقطاع التواصل السياسي بينه وبين رئيس الجمهورية». وتعامل الحزب مع الملف بحذر وتنسيق مع المعنيين، منتظراً ما ستؤول إليه الاتصالات وما سيُطرح داخل الجلسة، بدلاً من استباق النتيجة بتصعيد قد يضيّق هامش التسوية.
في موازاة ذلك، كثّف بري اتصالاته مع عون وسلام، إلى جانب تواصله مع حزب الله، سعياً إلى سحب فتيل الأزمة قبل انعقاد الجلسة، واستمرت هذه الاتصالات حتى الساعات الأخيرة قبل انعقاد الجلسة. وتزامنت هذه المساعي مع خلوة بين عون وسلام، فيما أشارت المعطيات إلى أن رئيس الجمهورية التقط جو التهدئة وبعث، قبل الجلسة، برسائل مفادها أن الملف لن يُحال إلى المجلس العدلي. وقد أسهمت هذه الإشارات في إبقاء باب التهدئة مفتوحاً، بعدما كان الحزب قد حذّر من أن تمرير البند قد يدفع الأمور نحو مواجهة يصعب ضبطها.
ولم تقتصر الاتصالات على بري والثنائي الشيعي والرئيسين عون وسلام، بل شملت حزب الكتائب أيضاً، في مسعى إلى توسيع قاعدة التفاهم على المخرج الحكومي. وانعكس ذلك داخل الجلسة، حيث لم ينسحب وزير العدل عادل نصار، رغم الخلاف حول طلب الإحالة، بما أبقى النقاش ضمن الأطر الحكومية ولم يحوّله إلى مواجهة شاملة. وفي المقابل، عندما اتجه وزراء «القوات» إلى الانسحاب، وصف سلام هذه الخطوة بأنها من «الخطوات الشعبوية التي تعوّدنا عليها»، في موقف عكس اعتراضه على تغليب الحسابات الضيقة ولو أدت إلى زعزعة استقرار الحكومة.
أما في المضمون، فقد حرص سلام على تثبيت موقفه من مسألة السلاح والمتفجّرات، من دون حصر النقاش بالشحنة المصادرة وحدها. وقال إن «تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصراً شرعية القيام بذلك، تحت أي ذريعة كانت»، يشكّل خروجاً على الثوابت والقوانين النافذة وقرارات مجلس الوزراء، فضلاً عن كونه خطراً على السلامة العامة وأمن المواطنين، ويستوجب المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية وإنزال العقوبات التي يفرضها القانون. لكن هذه المطالعة، على حدّتها، لم تتحوّل إلى قرار بإحالة القضية، إذ اتجه النقاش عند طرح وزير العدل الطلب إلى ضرورة الفصل بين المسارات، بما أتاح تأجيل الحسم من دون التراجع عن المواقف المعلنة.
وكان عون قد استهلّ الجلسة بالإشادة بجهود وزير الصحة ركان ناصر الدين في مكافحة الأدوية الفاسدة والمهرّبة، مهنّئاً إياه بانتخابه رئيساً للدورة الثالثة والسبعين لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، ومعتبراً أن الإنجاز يتجاوز الوزير إلى لبنان. كما نوّه بعمل الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب والمخدرات وتهريب الأسلحة والجرائم، مؤكداً أنها «العمود الفقري للدولة» وركيزتها الأساسية، ومشدداً على ضرورة الوقوف إلى جانبها رغم الضغوط الاقتصادية. وتابع عون «نثمّن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، خصوصاً لجهة اعتبار الجيش اللبناني بمثابة خط أحمر، والحفاظ على السلم الأهلي، والانفتاح على الحوار والتفاهم، لكونه الوسيلة الأفضل لحماية لبنان وإنقاذه».
في المحصّلة، لم تنتهِ الجلسة إلى تسوية سياسية شاملة، لكنها جنّبت الحكومة مواجهة مباشرة كان يمكن أن تتجاوز قاعة مجلس الوزراء. فقد أتاح تأجيل الإحالة احتواء الاعتراض الذي عبّر عنه حزب الله، فيما بقي انسحاب وزراء «القوات» مؤشراً إلى أن الفريق المطالب بإحالة الملف لم يعتبر المخرج كافياً. وبذلك، لم يُحسم الخلاف، بل جرى ترحيله إلى مرحلة لاحقة، تحت عنوان استكمال التحقيقات وانتظار اتضاح المسؤوليات.
وتبقى أهمية ما جرى في أن الاتصالات السياسية نجحت هذه المرة في ترجمة التهدئة إلى مخرج عملي، بعدما كانت التحذيرات المتبادلة تنذر بتوسيع المواجهة. إلا أن هذا التفاهم يظل محدوداً بموضوع الإحالة وتوقيتها، ولا يبدّد الخلاف الأعمق حول السلاح وقرارات الدولة، ولا الضغوط الخارجية والتهديدات الإسرائيلية وتعثر المسار التفاوضي. فالقضية التي خرجت من الجلسة بلا تصويت لا تزال مفتوحة، بانتظار تعامل السلطة مع هذا الملف خصوصاً في ظل الضغط الخارجي عليها.
الاخبار



