اجتماع الحزب ودمشق… هل حصل فعلاً، وهل هو بداية مصالحة أم تنظيم للخصومة؟

يرى مراقبون أن الاجتماع لا ثمار منه حتى اللحظة، وهو أقرب إلى سياسة معرفة الآخر من قرب، وما لدى كل طرف ليقدمه إلى الآخر، وربما لتبريد المنطقة من أية حروب مقبلة أو مرحلة لكسب الوقت، تحضيراً لعمل عسكري مرتقب سواء من سوريا هجوماً، أو لتعزيز دفاعات الحزب في حال الاشتباك البري.
“من الخنادق إلى الفنادق”، مقولة تنطبق على أعداء الأمس وحروبهم الضارية، خلال عقد ونصف العقد، لكن اليوم يتبادل “حزب الله” والحكومة السورية الجديدة شروط التفاوض مع بعضهما، على طرفي الطاولة وجهاً لوجه، في مفاوضات سرّية تسربت أنباء نقلتها “رويترز”، بعدما ظلا يتبادلان القذائف الصاروخية والرصاص على خطوط التماس، شمال سوريا لأعوام.
ومع طي صفحة الحرب الأهلية المريرة التي عاشها السوريون، بات واضحاً محاولة حكومة دمشق ترتيب البيت الداخلي، وعلاقتها مع الخارج بكثير من الحرص والتأني، ففي وقت يضغط البيت الأبيض بشدة على الرئيس السوري دخول الجيش إلى لبنان، ونزع سلاح “حزب الله”، المحظور نشاطه بقرار من الحكومة اللبنانية، يحاول الرئيس السوري عدم تشتيت قوته العسكرية، ويعرف جيداً أن تضاريس الجبال هناك ليست كما خبرها في بلاده خلال الحرب، فهي معركة خارج حدوده، لا ناقة له فيها ولا جمل.
وإذا كان الرئيس الشرع يتمتع بشخصية براغماتية، ويحاول كسب جميع الأطراف، بغية استقرار المنطقة وبناء علاقات صداقة مع دول الجوار، حتى مع إسرائيل، فليس مستبعداً، بل كان ذلك منتظراً أن يجلس ممثلون عن الحكومة السورية وجماعة “حزب الله” اللبناني على طاولة واحدة، بحسب رواية وكالة “رويترز”، نقلاً عن ستة مصادر مطلعة، حيث أجروا محادثات مباشرة في تركيا، ضمن محاولة لتهدئة التوتر بين الجانبين، وهو الاجتماع الأول المعروف من نوعه بين الطرفين، وتناول الاجتماع المخاوف الأمنية المشتركة.
من نيويورك إلى أنقرة
في غضون ذلك، يرجح الباحث التركي في شؤون السياسة الخارجية، علي الأسمر في حديثه إلى “اندبندنت عربية”، أن هندسة هذا الاجتماع بدأت في نيويورك، في كواليس اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره السوري أسعد الشيباني، ضمن سلسلة مشاورات إقليمية، قبل أن يظهر لاحقاً أن أنقرة هي التي دفعت باتجاه فتح قناة مباشرة بين دمشق و”حزب الله”، ولا توجد معلومة منشورة تؤكد أن قرار الاجتماع اتُخذ تحديداً في نيويورك.
ويُعتقد بأن تسلسل الأحداث يجعل هذا الاحتمال منطقياً من الناحية السياسية والدبلوماسية، أما الاجتماع نفسه فيمكن القول إنه ثابت بدرجة عالية من الموثوقية الصحافية، على رغم عدم إعلانه رسمياً من قبل تركيا، إذ استندت “رويترز” إلى ستة مصادر، بينها مسؤولان سوريان، ومصدر أمني لبناني قريب من “حزب الله”، ومسؤول أميركي.
وأضاف الأسمر “أن اللقاء في ما يبدو لم يكن محاولة لإعادة العلاقة القديمة، بقدر ما كان محاولة لوضع قواعد جديدة لها بعد سقوط النظام السابق، فدمشق دخلت الاجتماع من زاوية أمنية واضحة، وهي وقف التهريب عبر الحدود، وإنهاء أي خلايا أو شبكات مرتبطة بـ ‘حزب الله’ داخل الأراضي السورية، وخصوصاً في الجنوب”.
وينوه الأسمر إلى أن “حزب الله” كانت أولويته الأساس التأكد من أن سوريا لن تتحول إلى جبهة خلفية ضده، أو إلى طرف مباشر في أية محاولة عسكرية تستهدفه داخل لبنان، ولهذا كان مهماً أن الجانب السوري، وفق المصادر، أبلغ “حزب الله” بأنه لا يعتزم الدخول عسكرياً إلى لبنان لنزع سلاحه، في مقابل مطالبة الحزب بعدم التدخل في الشأن السوري، وضبط ملف الحدود والخلايا، وهذه النقطة وحدها تكشف عن أن الاجتماع كان أقرب إلى تفاوض على خطوط حمر متبادلة منه إلى حوار سياسي تقليدي”، متابعاً أن “الأهم برأيي أن تركيا تحاول هنا الانتقال من دور الوسيط إلى دور الضامن الإقليمي لقواعد الاشتباك الجديدة حول سوريا، لذلك لا أرى الاجتماع بداية مصالحة بين دمشق و’حزب الله’، بل بداية محاولة لتنظيم الخصومة، لا عودة للتحالف السابق، ولا مصلحة حالياً في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة”.
تغييب إيراني
وليس غريباً بأن يكون اللقاء السري، الذي لم تؤكده أو تنفيه الحكومة السورية أو “حزب الله” حتى اللحظة، حصل في تركيا، إذ أدت الأخيرة دوراً بارزاً في دعم المعارضة السورية المسلحة التي أودت بسقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 بشكل مدو، وصعود الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تزعم “هيئة تحرير الشام”، وقاد غرفة العمليات العسكرية لعملية ردع العدوان.
يأتي ذلك في ظل غياب الجانب الإيراني، ويفسر ذلك الباحث الأكاديمي في العلاقات الدولية، محمد حاج عثمان، في حديث خاص، بعدم رغبة دمشق في إعادة المياه لمجاريها مع طهران، بعد حرب قاسية طوال 14 عاماً، من فترة الصراع المسلح لإسقاط الأسد عبر مدّ “الحرس الثوري” الإيراني بالخبراء والمقاتلين والسلاح الذي ضمن استمراره طوال هذه الفترة، فضلاً عن الرغبة الدولية بإبقاء نظام الملالي محاصراً، وعدم عودته للساحة السورية بعد خروجه المفاجئ منها.
وقال “يمكن قراءة عدم الحضور الإيراني أيضاً في سياق تحسس نبض العهد السوري الجديد، ومدى قابليته لفتح حوار مع طهران، مستفيداً من الطابع البراغماتي الذي يميز السلطات الجديدة في دمشق، ولا سيما بعد العلاقة الجديدة مع موسكو التي أتاحت الإبقاء على حضورها في المتوسط”.
ويعتقد الباحث عثمان أن الاجتماع لا ثمار منه حتى اللحظة، وهو أقرب إلى سياسة معرفة الآخر عن قرب، وما لدى كل طرف ليقدمه إلى الطرف الآخر، وربما لتبريد المنطقة من أية حروب مقبلة، أو مرحلة لكسب الوقت تحضيراً لعمل عسكري مرتقب، سواء من قبل سوريا هجوماً، أو لتعزيز دفاعات الحزب في حال الاشتباك البري، ويرى بأن كلاهما لا يرغبان في خوض صراع مسلح على الأرض، ولا سيما في هذه الفترة الحرجة.
ويرجح حاج عثمان عدم وصول الاجتماعات إلى أية نتائج، بحسب اعتقاده، ويراها بلا جدوى، بخاصة بعد ما أعلنت السلطات السورية تفكيك خلية تتبع “حزب الله” في جنوب سوريا، الثلاثاء الماضي، أي بعد حدوث الاجتماعات، وبالتالي هذا يفسر إما عدم التوصل إلى نتائج أو أسلوب ضغط على “حزب الله”، ليبرر أي تحرك عسكري قريب.
وفي المقابل، نفى مكتب الحزب أية صلة له بالخلية التي أعلن تفكيكها، مؤكداً في الوقت ذاته عدم حضوره العسكري داخل الأراضي السورية، أو مشاركته في أي نشاط أمني وعسكري، في أعقاب إعلان السلطات السورية في الـ 29 من سبتمبر (أيلول) الماضي، توقيف ثلاثة أشخاص قالت إنهم مرتبطون بـ “حزب الله”، وكانوا يعملون على تجهيز منصات لإطلاق الصواريخ.
وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ألمح في يوليو (تموز) الماضي بأن بلاده منفتحة على لقاء الحزب، وبادله الأمين العام نعيم القاسم تلك الرغبة خلال خطاب تلفزيوني.
العلاقة بين دمشق والحزب
ويقول الأسمر إنه من الصعب تصور عودة العلاقة بين دمشق و”حزب الله” لما كانت عليه في عهد الأسد، فسوريا بالنسبة إلى الحزب لم تعد الحليف الذي يوفر له العمق الجغرافي والممر السياسي والعسكري بين إيران ولبنان، متابعاً “أصبحت سوريا دولة تسعى إلى إعادة تعريف سيادتها وحدودها ومصالحها، بعيداً من المعادلة السابقة، لكن هذا لا يعني بالضرورة انتقال العلاقة إلى مواجهة دائمة، لأن دمشق لديها ملفات داخلية وأمنية أكثر إلحاحاً، وكذلك فإن ‘حزب الله’ يواجه ضغوطاً كبيرة داخل لبنان، وفي صراعه مع إسرائيل، وبالتالي توجد مصلحة مشتركة في منع فتح جبهة سورية ـ لبنانية جديدة، وهو ما قد يتشكل لذلك من التعايش الأمني البارد، فـ ‘حزب الله’ يمتنع lن النشاط داخل سوريا، واستخدام أراضيها ممراً للسلاح، في مقابل ألا تتحول دمشق إلى طرف مباشر في الصراع على سلاح الحزب داخل لبنان”.
اندبندنت



