كيف رسم سلام وروبيو ملامح المرحلة المقبلة في لبنان؟

خرج لقاء رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن بمسار أكثر تحديدًا للمرحلة المقبلة في جنوب لبنان، بعدما ربطت الإدارة الأمريكية استمرار دعم الدولة اللبنانية بترجمة الاتفاق الثلاثي إلى خطوات ميدانية تشمل انتشار الجيش وحصر السلاح وآلية تحقق واضحة.
يأتي ذلك، بالتزامن مع مطالبة بيروت بجدول للانسحاب الإسرائيلي ودعم عسكري وتمويل يساعد القرى الجنوبية على استعادة الخدمات الأساسية.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية بعد الاجتماع تمسك واشنطن بالاتفاق الثلاثي باعتباره الإطار المعتمد لمعالجة الملف الحدودي ودعم سلطة الدولة اللبنانية.
وتسعى بيروت إلى تثبيت مبدأ التنفيذ المتدرج خلال الجولة المقبلة من المحادثات المقررة في روما في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وفق مصادر سياسية لبنانية تحدثت لـ”إرم نيوز”.
وحمل سلام إلى واشنطن طلبًا يتضمن تحديد مناطق جديدة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي تباعًا وتتسلمها وحدات من الجيش اللبناني، مع ربط كل مرحلة بترتيبات أمنية وتوثيق مشترك يسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية.
وكانت الجولة المقبلة قد أُرجئت إلى أكتوبر/تشرين الأول بعد تعثر الجدول السابق، مع استمرار الاتصالات الأمريكية مع الطرفين بشأن تنفيذ الاتفاق الإطاري.
بيروت تطلب جدولًا واضحًا
وأفادت المصادر السياسية بأن الحكومة اللبنانية طلبت دعمًا أمريكيًا لزيادة قدرات الجيش في الجنوب عبر مركبات هندسية ووسائل نقل ومعدات مراقبة واتصالات، إضافة إلى تثبيت مساهمة أمريكية في مؤتمر الدعم الدولي للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الذي تعمل باريس على التحضير له.
كما طرحت بيروت إنشاء مسار تمويل منفصل لإعادة تأهيل الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمرافق العامة في البلدات التي تنتقل إليها سلطة الدولة، وفق ذات المصادر.
وتزامنت هذه المطالب مع تسلم الجيش اللبناني، أمس الثلاثاء، مركبة “هامفي” وخمس شاحنات ضمن المساعدات الأمريكية، بعد وصول 70 حاوية ذخائر إلى مرفأ بيروت في 20 سبتمبر/أيلول، وهي مساعدات تمنح المؤسسة العسكرية قدرة إضافية على الانتشار وتحمل أعباء أوسع في الجنوب مع اقتراب مرحلة خفض حضور قوة الأمم المتحدة المؤقتة “اليونيفيل”.
ويرتبط نجاح الصيغة اللبنانية بقدرة الحكومة على الجمع بين الانتشار الأمني واستعادة الخدمات، لأن تسلم الجيش مواقع جديدة من دون عودة المؤسسات المدنية سيبقي الجنوب تحت ضغط اجتماعي واقتصادي مرتفع، كما أن ربط التمويل بإعادة الإعمار الجزئي يمنح الحكومة قدرة أكبر على تثبيت سلطتها في المناطق التي تنتقل إليها المسؤولية الأمنية.
واشنطن تطلب خطوات محددة
بدوره، أشار مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية الأمريكية، لـ”إرم نيوز”، إلى أن روبيو طلب من سلام تقديم جدول محدث لانتشار وحدات الجيش جنوب نهر الليطاني، يتضمن عدد الوحدات والمناطق التي ستتسلمها خلال كل مرحلة، إضافة إلى خطوات مرتبطة بحصر السلاح ومواقع تخزينه وآلية تسمح للجنة التحقق بتسجيل التنفيذ بصورة دورية قبل الانتقال إلى مناطق أخرى.
وأوضح المصدر أن الخارجية الأمريكية تريد أن تخرج جولة روما المقبلة بتفاهم حول مجموعة محددة من المناطق التي يبدأ فيها التنفيذ، مع تحديد مهام الجيش اللبناني واللجنة الثلاثية ومواعيد الانتقال إلى المرحلة التالية.
كما تبحث واشنطن استمرار التمويل العسكري الأمريكي وربطه باحتياجات الانتشار الجديدة التي يقدمها قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، إلى الشركاء الدوليين.
وتتبنى واشنطن مقاربة تقوم على خطوات متتابعة يمكن التحقق منها، بحسب المصدر، تشمل تسلم الجيش مواقع محددة، وفرض سلطة الدولة على السلاح فيها، ثم تحريك ملف الانسحاب الإسرائيلي في نطاق تلك المنطقة، مع إبقاء الدعم العسكري والاقتصادي جزءًا من الحوافز المرافقة للتنفيذ.
ويمنح هذا الأسلوب الولايات المتحدة قدرة أكبر على قياس تنفيذ الاتفاق، كما يقلص أثر الخلاف حول ترتيب الالتزامات الذي أعاق المفاوضات خلال الأشهر الماضية، إذ تتمسك بيروت بانسحاب إسرائيلي متدرج يترافق مع انتشار الدولة، فيما تطالب واشنطن بخطوات لبنانية واضحة في ملف السلاح ضمن كل مرحلة.
وأظهر اجتماع سلام وروبيو أن ترتيب التنفيذ أصبح محورًا أساسيًا في الاتصالات الحالية.
الجنوب قبل مرحلة ما بعد اليونيفيل
من جانبه، يقول المحلل السياسي الأمريكي، جورج لاندريث، رئيس مركز حدود الحرية للأبحاث، لـ”إرم نيوز”، إن المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرة الجيش اللبناني على تحويل الدعم الخارجي إلى حضور مستقر في الجنوب.
ويرى أن استمرار المساعدات العسكرية يمنح بيروت فرصة لتوسيع سلطتها بالتوازي مع نزع سلاح ميليشيا حزب الله.
ويضيف لاندريث أن الولايات المتحدة ستعطي أولوية لآلية تحقق قابلة للاستمرار خلال مرحلة خفض عمل اليونيفيل، لأن أي اتفاق يحتاج مؤسسة قادرة على توثيق الالتزامات ومنع عودة التوتر بعد انسحاب القوة الدولية تدريجيًا، مؤكدًا أن الجيش اللبناني سيصبح الطرف المركزي في هذه البنية الأمنية.
وتقترب هذه الاستحقاقات مع استعداد اليونيفيل لخفض مهمتها في نهاية العام الجاري، بعد عقود من العمل في الجنوب، ما يزيد الحاجة إلى ترتيب يربط انتشار الجيش اللبناني بآلية مراقبة ودعم مالي طويل الأمد، ويجعل لقاء سلام وروبيو جزءًا من محاولة تثبيت صيغة أمنية وسياسية يمكن استمرارها بعد تغير شكل الحضور الدولي على الحدود.
أرم نيوز



