🟠خلاف كرم ومعوض يكشف مأزق التفاوض… وحالة الإحباط!

خلاف كرم ومعوض يكشف مأزق التفاوض
لم تعد السلطة اللبنانية تفاوض إسرائيل بقدر ما باتت تنتظر أن تفاوضها إسرائيل. هذه خلاصة الاتصالات الأخيرة التي جرت من نيويورك وواشنطن، وصولاً إلى الفاتيكان. تبحث سلطة بيروت في ضمان عقد جلسة مفاوضات جديدة، وتبحث عن أي مخرج لتبقى حاضرة على جدول الأعمال، بينما ترفض إسرائيل عقد أي اجتماع وفق طلبات بيروت، فيما الولايات المتحدة، بدل أن تكون الراعي والقادر على ممارسة الضغط، لا تُظهِر حماسة لاستخدام نفوذها من أجل فرض انعقاد الجلسة. لكنّ جميع هؤلاء يهربون من الإجابة عن السؤال الأهم: كيف تعجز هذه السلطة عن فرض موعد لجلسة ولو أن المفاوضات لم تأتِ بشيء؟
يقول معنيّون بالاتصالات إن الأميركيين يقولون بوضوح إنه لا بديل من اتفاق الإطار، وإن المطلوب هو الانتقال إلى تطبيقه. لكنّ هذا الكلام، على أهميته، لا يحلّ العقدة الأساسية. فإسرائيل ترفض تقديم تنازلات قبل نزع سلاح حزب الله، وواشنطن لا تضغط عليها بما يكفي لتغيير هذا الموقف، فيما يطالب وفد السلطة بانسحابات إسرائيلية وخفض التصعيد مقابل خطوات الدولة اللبنانية. والأكثر إحراجاً للسلطة أن هذا الانسداد لم يدفعها إلى إعادة تقييم طريقة إدارتها، بل ذهبت إلى مُضاعفة الاتصالات بحثاً عن جهة تُقنِع إسرائيل بالجلوس معها!
وبحسب المصادر، حاول الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام الحصول من الأميركيين والسعوديين على وعد ببمارسة ضغط يؤدّي إلى انسحاب إسرائيلي محدود من منطقة تجريبية، بما يسمح بإنقاذ ماء الوجه وإعطاء المفاوضات شيئاً يمكن تسويقه كإنجاز. لكنّ الجواب الذي عاد إلى بيروت أن إسرائيل لا تبدو مُستعدّة لتقديم هذا التنازل، وأن واشنطن لا ترى أن الظروف تسمح بفرضه عليها قبل موعد الانتخابات في كيان الاحتلال.
ووفق المصادر، فإن هذا الواقع انعكس داخل الفريق اللبناني نفسه.
حيث ظهر بقوة الانقسام بين رئيس الوفد المفاوض سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوض. وبالنسبة إلى كرم، فإن المشكلة تبدأ من كونه سرعان ما اكتشف أن السفيرة معوض هي صاحبة اليد العليا والكلمة الأخيرة، وهي من يتواصل معها الأميركيون والرئيس عون في لبنان، وهي من تدير الكثير من الاتصالات المتعلّقة بالمفاوضات، بما في ذلك التواصل مع الإسرائيليين.
وهذا الأمر يستفزّ كرم، الذي اكتشف أيضاً أنها غير مؤهّلة للعب هذا الدور، إضافة إلى عدم صدور أي نتائج من المفاوضات، ما دفعه إلى التعبير عن أنه في حالة إحباط جرّاء ما يحصل. وقد حاول عون مراضاته بأن أوفده إلى الفاتيكان بحثاً عن مدخل لتحريك المفاوضات، ومن أجل إظهاره في موقع متقدّم، علماً أن كرم لوّح مراراً بالخروج من هذه التجربة، خصوصاً أنه كان يعتقد بأن المسار سيُنتِج حلاً كاملاً يُسجّل له، ويؤهّله ليكون هو وزير الخارجية في أي حكومة مقبلة.
أمّا معوض، فهي مكتفية بالدور الذي تقوم به، وهي مقتنعة أصلاً بكل المسار القائم بمعزل عن النتائج، وهي التي تضغط اليوم للذهاب إلى روما بمعزل عن النتائج، وبينما يقول كرم إنه لا قيمة لجلسة ما دام لا يتوقّع منها أي خطوة ملموسة، وإن الأميركيين يُظهِرون ميلاً إلى ربط المفاوضات بنتائج الانتخابات في إسرائيل وأميركا، فإن معوض التي تدافع عن موقفها تقول إن لبنان اتّخذ قراراً بالسير في مسار التفاوض بمعزل عن هوية الحكومة في إسرائيل أو أميركا. إضافة إلى كونها تعتبر أنه يجب تعزيز التواصل المباشر مع إسرائيل، وهي أجرت اتصالاً بالسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر للاطمئنان إلى صحة ابنه الجندي في قوات الاحتلال بعد دهسه من قبل أحد المقاومين في الضفة الغربية.
عملياً، فإن أصل الخلافات داخل فريق السلطة نفسها، لم يعد حول شكل المقاربة، في شأن تعريف موحّد لماهية التفاوض الناجح. ولعل زيارة كرم للفاتيكان تختصر حجم المأزق. فبعد واشنطن ونيويورك، تذهب بيروت إلى قناة أخرى بحثاً عن مساعدة في تحريك المسار. وتفيد المصادر بأن كرم يقصد الفاتيكان، نتيجة قناعته بأنه يستطيع فتح أبواب سياسية والتواصل مع عواصم مؤثّرة. لكنّ المصادر قلّلت من أهمية الزيارة، لأن «الفاتيكان لا يملك ما تملكه واشنطن من أدوات ضغط على إسرائيل». وبالتالي فإن السؤال الذي تفرضه الزيارة ليس عن أهمية الفاتيكان، بل عن سبب وصول السلطة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الاستنجاد بقناة إضافية لإقناع الآخر بالعودة إلى التفاوض؟
على أن الموقف الأميركي لا يقتصر على عدم المبالاة، بل تضغط واشنطن على الدولة لتنفيذ قراراتها في ملف السلاح، وتقديم تصوّر لمستقبل الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفل»، خصوصاً أن الأميركيين يريدون أن تنشأ قناة اتصال وتنسيق مباشر بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال، ولا يرون حاجة إلى وجود أي قوات دولية. وتربط واشنطن المساعدة في عقد مؤتمر لدعم إعادة الإعمار بتنفيذ الدولة اللبنانية التزاماتها.
ميسم رزق- الاخبار
