🟠لماذا أزعج الجيش إسرائيل: هل تريد الجنوب بلا دولة؟

الجيش عند “الخطّ الأصفر”: إسرائيل تريد الجنوب بلا دولة

لم يكن الخلاف بين الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ في دير ميماس على نقطة مراقبة مؤقّتة، ولا على موسم قطاف الزيتون وحده. الخلاف الحقيقيّ كان على الجهة التي يحقّ لها تنظيم وصول اللبنانيّين إلى أرض لبنانيّة داخل ما تسمّيه إسرائيل “المنطقة الأمنيّة”. حين ناشد أهالي البلدة الجيش اللبنانيّ مواكبتهم إلى أراضيهم، كان تنسيقهم مع دولتهم وجيشهم، لا مع قوّة الاحتلال. هذا تحديداً ما أزعج إسرائيل وحوّل نقطة عسكريّة صغيرة إلى استنفار بين جيشين.

ما يزعج إسرائيل في الجيش اللبنانيّ ليس قدرته على قلب ميزان القوى العسكريّ، بل إصراره، ضمن الهوامش المتاحة له، على ألّا يترك لها الساحة خالية. فالجيش يدرك حجم التفوّق الإسرائيليّ، ويتصرّف على هذا الأساس، من دون أن يقبل في المقابل بأن تتحوّل “المنطقة الأمنيّة” إلى مساحة تديرها إسرائيل وحدها، وتقرّر مَن يدخل إليها ومَن يخرج منها، ومتى يعود الأهالي إلى منازلهم وحقولهم.

من الزّيتون إلى الاستنفار

بدأت الحادثة قبل أكثر من أسبوع. في 10 أيلول، أقامت دوريّة من الجيش نقطة مراقبة مؤقّتة عند أطراف دير ميماس، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكريّة الخاصّة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقّد أراضيهم الزراعيّة والاستعداد لموسم الزيتون.
في 18 أيلول، اقتربت قوّة إسرائيليّة من النقطة، معتبرةً أنّها تقع داخل “الخطّ الأصفر” الذي رسمته إسرائيل لتحديد نطاق سيطرتها الميدانيّة. طالبت الجيش بإزالتها وهدّدت عناصره، ثمّ ألقت أكثر من خمس قنابل صوتيّة في محيطهم. لم ينسحب الجيش فوراً، بل أرسل تعزيزات إلى المكان، وارتفع مستوى الاستنفار بين الجانبين، قبل أن تبدأ الاتّصالات عبر مجموعة التنسيق العسكريّة.

تحدثت معلومات “أساس” أنّ خلاصة الحادثة قضت بسحب عناصر الجيش اللبناني من عمق المنطقة التي تصنّفها إسرائيل أمنيّة، لكنّ الجيش أقام حاجزاً عند “الخطّ الأصفر” تماماً وعزّز انتشاره في برج الملوك، فيما عادت القوّة الإسرائيليّة إلى موقعها في تلّ النحاس. بذلك لم يُخلَ المحور من الحضور اللبنانيّ. وتضيف المعلومات أنّ البحث بدأ في تعديل مسار هذا الخطّ في منطقة دير ميماس، بعدما تحوّل موقع النقطة إلى موضع خلاف بين الجانبين.

هذه المعلومة تنقل الحادثة من مستوى الاحتكاك العسكريّ إلى مستوى أشدّ خطورة. فالخطّ الأصفر ليس حدوداً دوليّة ولا بديلاً من الخطّ الأزرق، بل خطّ عمليّات فرضته إسرائيل من جانب واحد داخل الأراضي اللبنانيّة. وعندما يصبح موضعه قابلاً للتعديل بعد كلّ احتكاك، يتحوّل التقدّم العسكريّ الإسرائيليّ تدريجيّاً إلى خريطة تفاوضيّة جديدة.

لماذا أزعج الجيش إسرائيل؟

كانت إسرائيل تريد من أهالي دير ميماس أن يتعاملوا مع وجودها بوصفه السلطة التي تمنح الإذن بالوصول إلى الأراضي الواقعة داخل المنطقة المحتلّة. غير أنّ الأهالي طلبوا حماية الجيش اللبنانيّ، والجيش استجاب وأقام نقطة بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكريّة القائمة. بذلك، لم تعد المسألة رحلة مزارعين إلى حقولهم، بل اختبار لمرجعيّة الدولة على أرضها.

وجود الجيش، ولو بدوريّة صغيرة، يقيّد حريّة الحركة الإسرائيليّة. فهو يجعل أيّ منع للأهالي أو إطلاق نار أو توغّل حادثةً بين جيش الاحتلال والمؤسّسة العسكريّة الشرعيّة، لا مجرّد إجراء ميدانيّ بحقّ مدنيّين معزولين. كما أنّه يُبقي الدولة شريكاً في إدارة حركة السكّان، ويرفض منح إسرائيل حقّ تحويل الاحتلال العسكريّ إلى سلطة يوميّة على القرى والطرقات والأراضي الزراعيّة.

إلّا أنّ قراءة ما جرى لا تحتمل المبالغة أيضاً. الجيش ليس في موقع فتح مواجهة عسكريّة مباشرة، ولا يملك أدوات فرض انسحاب إسرائيليّ بالقوّة. لذلك جمع بين تثبيت الحضور وتجنّب الصدام: عزّز النقطة عندما تعرّض عناصره للتهديد، فعّل الاتّصالات، ثمّ أعاد التموضع عند الخطّ بدلاً من ترك المحور كاملاً. في المقابل، اضطرّت القوّة الإسرائيليّة إلى مغادرة المكان بعد الاستنفار والاتّصالات. لم يحقّق أيّ من الطرفين تقدّماً عسكريّاً، لكنّ إسرائيل لم تحصل أيضاً على المساحة الفارغة التي أرادتها.

تكشف الحادثة ضعف مجموعة التنسيق العسكريّة نفسها. فالنقطة اللبنانيّة أُقيمت أصلاً بالتنسيق معها، ثمّ جاءت إسرائيل لتعترض عليها بالقوّة. وعليه، يصبح السؤال عمّا إذا كانت هذه الآليّة قادرة على حماية ما تمّ التوافق عليه، أم أنّ مهمّتها تنحصر في احتواء الاحتكاك وإدارة التراجع بعد فرض الاعتراض الإسرائيليّ ميدانيّاً؟

اعتراض إسرائيل يصل إلى بعبدا

في موازاة الاعتراض الميداني على حضور الجيش في دير ميماس، دفعت إسرائيل باتجاه واشنطن برسالة أخرى تستهدف صورة الدولة اللبنانية نفسها. فقد تحدث تقرير عبري عن معلومات تقول إنّ الجيش الإسرائيلي سلّم القيادة المركزية الأميركية معطيات عن مستودعات أسلحة وبنى تحت الأرض تابعة لـ”الحزب” في منطقة بعبدا، بالقرب من القصر الجمهوري. لا يوجد حتى الآن ما يثبت هذه الرواية من جهة أميركية أو لبنانية مستقلة، إلا أنّ أهميتها تكمن في توقيتها ووظيفتها السياسية أكثر من مضمونها الاستخباري.

خرجت الرواية بالتزامن مع اجتماع باريس المخصّص لبحث دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته. وبذلك تحاول إسرائيل نقل الضغط من الجنوب إلى مركز الدولة: في دير ميماس تقول إنّ الجيش لا يستطيع التحرّك داخل “المنطقة الأمنية” من دون موافقتها، وفي بعبدا تقول إنّ الرئاسة تناقش حصر السلاح فيما توجد، وفق ادّعائها، بنى عسكرية لـ”الحزب” بالقرب من القصر الجمهوري. والرسالة في الحالتين موجّهة إلى واشنطن بهدف التشكيك بقدرة الدولة، وربط دعم الجيش بشروط إضافية، والحفاظ على حرية الحركة الإسرائيلية داخل لبنان.

تثبيت الاحتلال قبل توسيعه

لا يمكن فصل دير ميماس عن الصورة الأوسع في الجنوب. خلال الأسابيع الماضية، أقامت إسرائيل سواتر ترابيّة حول مثلّث دير ميماس – برج الملوك – كفركلا، وشقّت طرقاً وبوّابات لحركة الآليّات، وثبّتت مواقع جديدة داخل الشريط المحتلّ. وفي توقيت متزامن مع حادثة دير ميماس، تقدّمت آليّات إسرائيليّة من الطيري باتّجاه أطراف حدّاثا وحاريص، فيما استمرّت التفجيرات وعمليّات هدم المنازل في المنصوري والخيام ومناطق أخرى، بعد تثبيت السيطرة على مرتفعات عليّ الطاهر وتدمير منشآتها.

في القراءة العسكريّة، لا يعني التصعيد المقبل بالضرورة اجتياحاً واسعاً دفعة واحدة. التوقّعات هي أن تستكمل إسرائيل تثبيت احتلالها، ثمّ تتقدّم بصورة موضعيّة ومدروسة على أكثر من محور جنوبيّ، وخصوصاً نحو التلال والعقد التي تمنحها إشرافاً ناريّاً وتحكّماً بالطرق بين القرى. تبدأ العمليّة بتوغّل محدود، يليه منع للأهالي، ثمّ ساتر ترابيّ أو موقع عسكريّ، قبل أن تدخل النقطة الجديدة في الاتّصالات بوصفها أمراً واقعاً.

هذا ما يجعل البحث في تغيير “الخطّ الأصفر” في دير ميماس مؤشّراً يتجاوز البلدة. فمع تأجيل جولة مفاوضات روما إلى تشرين الأوّل، تعمل إسرائيل على تحسين خريطتها الميدانيّة قبل العودة إلى الطاولة. وكلّ نقطة تثبّتها اليوم قد تتحوّل غداً إلى نقطة انطلاق تفاوضيّة، بدلاً من أن تكون خرقاً يجب إنهاؤه.

حادثة دير ميماس ليست إذاً حادثاً عابراً انتهى بانسحاب القوّتين من نقطة الاحتكاك. إنّها نموذج للمرحلة المقبلة: إسرائيل تحاول تحويل خطّ فرضته بالقوّة إلى حدود فعليّة لحركتها وسيطرتها، والجيش اللبنانيّ يحاول، بما يملكه، منع هذا الخطّ من التحوّل إلى حدود سياسيّة. هو لا يغيّر ميزان القوى، لكنّه يزعج إسرائيل لأنّه يبقي الدولة في الميدان، ويمنع الاحتلال من أن يصبح واقعاً صامتاً بلا منازع ولا شاهد.

جوزفين ديب- اساس

مقالات ذات صلة