🟠من رعاية وزير الخارجية الأميركي إلى لقاء السفيرَيْن: لبنان ثانويّ.. وروبيو عند المضائق!

من رعاية روبيو إلى لقاء السفيرَيْن: لبنان ثانويّ

 

في 26 حزيران الماضي، وقف وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو بنفسه خلف سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن ندى حمادة معوّض ويحيئيل ليتر، معلناً “اتّفاق الإطار” ومقدّماً إيّاه بوصفه مساراً واضحاً لاستعادة السيادة اللبنانيّة ونزع سلاح “الحزب” وعودة إسرائيل إلى حدودها. بعد أقلّ من ثلاثة أشهر، غاب روبيو عن يوميّات الملفّ، أُرجئت جولة روما الثامنة إلى تشرين الأوّل، واختُصر الحراك بلقاء مرتقب بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن.

الانتقال من رعاية وزير الخارجيّة إلى لقاء السفيرين ليس تفصيلاً بروتوكوليّاً. إنّه التعبير الأدقّ عن موقع لبنان على سلّم الأولويّات الأميركيّة: ورقة ثانويّة لا تريد واشنطن إسقاطها، من دون أن تخصّص لها قراراً أو أدوات ضغط كافية لتحريكها.

لقاء لزوم ما لا يلزم

تقول معلومات “أساس” إنّ لقاء سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن لا يحمل جدول أعمال تفاوضيّاً جدّيّاً ولا ورقة جديدة. هو لقاء وظيفته إبقاء صورة المسار حيّة بعد تأجيل روما. فلا السفيرة اللبنانيّة تملك القدرة على تعديل موقف بلادها، ولا السفير الإسرائيليّ مخوّل تقديم تنازل في الانسحاب، فيما لا تبدو الإدارة الأميركيّة مستعدّة للضغط على بنيامين نتنياهو.

رسميّاً، رُبط تأجيل جولة روما الثامنة بالأعياد اليهوديّة واجتماع باريس والتحضير للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة. أمّا في الكواليس فتتحدّث المعلومات عن سبب أبسط: لا مادّة تفاوضيّة جاهزة، ولا موافقة إسرائيليّة على تحويل الجولة الثامنة إلى تفاوض يقود إلى انسحاب. وعليه، تمّ ترحيل الموعد الجديد إلى الشهر المقبل من دون الانتقال إلى مستوى مفاوضات جدّيّة ما دام الطرف الذي يغيّر الوقائع على الأرض لا يرى مصلحة في تقديم شيء على الطاولة.

المفارقة أنّ بقاء لبنان حاضراً بهذا الحدّ الأدنى يرتبط إلى درجة كبيرة بثلاث شخصيّات من أصل لبنانيّ تحيط بدونالد ترامب: السفير ميشال عيسى، والمبعوث توم بارّاك، والمستشار مسعد بولس. أصولهم لا تصنع سياسة أميركيّة موازية، إنّما تفسّر مقداراً من الاهتمام الشخصيّ والمثابرة على إبقاء قنوات الاتّصال مفتوحة.

عيسى تحرّك بين بيروت وإسرائيل والتقى نتنياهو محاولاً إعادة دفع المفاوضات. بارّاك أبقى الملفّ حاضراً كلّما تقاطع مع المسارين السوريّ والإيرانيّ، وبولس حافظ على خيط رفيع داخل الحلقة القريبة من ترامب. هذه التحرّكات تمنع إقفاله، إلّا أنّها لا ترفعه إلى مرتبة الأولويّة. هي قادرة على ترتيب اجتماع لا إلزام إسرائيل بالانسحاب.

حتّى العبارة التي نقلها عيسى عن ترامب، “اذهب إلى لبنان وافعل ما شئت، فأنا أثق بك”، تكشف حدود التفويض بقدر ما تظهر حجمه. السفير يملك هامش تحرُّك، فيما القرار الكبير غير موجود. ولو كان لبنان بنداً رئاسيّاً متقدّماً، لظهر ذلك في نتائج الضغط على إسرائيل لا في عدد الزيارات والصور.

روبيو عند المضائق

كان حضور روبيو في حزيران ضروريّاً لإعطاء اتّفاق الإطار وزنه السياسيّ. اليوم، تقول المعطيات الدبلوماسيّة إنّ الوزير الذي رعى انطلاق المسار لم يعد يتابع الملفّ اللبنانيّ مباشرة. الأولويّة الأميركيّة انتقلت إلى المكان الذي يهدّد الاقتصاد العالميّ وأمن الطاقة: مضيق هرمز أوّلاً، ثمّ باب المندب بعد تقدّم الحوثيّين على الساحل اليمنيّ والجزر المشرفة على الممرّ، واستهداف خطّ النفط السعوديّ الممتدّ من الشرق إلى الغرب.

بالنسبة إلى واشنطن، لا يوازي لبنان مضيقاً تُقاس به حركة النفط والتجارة وأسعار الطاقة. لذا لا يُدار كملفّ مستقلّ، بل كجزء من خريطة التفاوض والضغط مع إيران. الجنوب اللبنانيّ ورقة من أوراق النفوذ الإيرانيّ، فيما هرمز وباب المندب ورقتان تمسّان السوق العالميّة وحلفاء الولايات المتّحدة مباشرة. وحين تتزاحم الأوراق، يتراجع لبنان إلى الصفّ الثاني أو الثالث، ولا يعود مطلوباً حلّه سريعاً بقدر ما يصبح المطلوب ضبطه ومنع انفجاره إلى حين اتّضاح الصفقة الكبرى.

باريس بلا قرار

في باريس، يبدو الجهد الفرنسيّ جدّيّاً فيما سقف النتيجة لا يزال محدوداً. الاجتماع المقرّر في 17 أيلول تحضيريّ يتيح للجيش اللبنانيّ وقوى الأمن عرض حاجاتهما، ويبحث في التدريب والتجهيز والدعم اللوجستيّ. تريد فرنسا الحفاظ على دورها في لبنان، لا سيما مع اقتراب نهاية مهمّة “اليونيفيل”، إلّا أنّ القرار المطلوب أكبر من قدرتها المنفردة.

تقول المعلومات إنّ المعيار الحقيقيّ لأهميّة اجتماع باريس ليس عدد الوفود، بل مستوى التمثيل الأميركيّ والسعوديّ وما إذا كان سيحمل التزامات قابلة للتنفيذ. فحتّى الآن، لا تمويل محسوماً، ولا آليّة تربط دعم الجيش بانسحاب إسرائيليّ، ولا صيغة مكتملة لما بعد “اليونيفيل”. تستطيع فرنسا جمع الدول وصياغة التوصيات، إلّا أنّها لا تستطيع تمويل الخطّة أو انتزاع انسحاب من إسرائيل.

بهذا المعنى، واشنطن وباريس ليستا محطّتين في مسار يتقدّم، بل عنوانان لإدارة المراوحة. في واشنطن لقاء السفيرين بلا مضمون تفاوضيّ. وفي باريس اجتماع تقنيّ ينتظر أن تمنحه المشاركة الأميركيّة والسعوديّة وزناً سياسيّاً وماليّاً. أمّا بيروت فتنتظر الموعدَيْن كأنّ انتقال الاجتماعات بين العواصم يعوّض غياب القرار.

في المقابل، لا يقيّد عامل الوقت إسرائيل. يسرائيل كاتس يقول بوضوح إنّ الجيش الإسرائيليّ لن ينسحب من المنطقة الأمنيّة قبل نزع سلاح “الحزب”. وعلى الضفّة اللبنانيّة، اختصر نبيه برّي المشهد بعبارتين أشدّ قسوة: “اتّفاق الإطار طار”، و”إذا أراد الإسرائيليّ أن يحتلّ، فإنّه يستطيع ذلك”، قبل أن يصف التحرّكات القائمة بأنّها “بلا قيمة”.

كلام برّي لا يعلن سقوط المسار التفاوضيّ وحده. يقرّ، ضمناً، بأنّ السلاح أيضاً لم يعد قادراً على منع إسرائيل من التقدّم أو فرض الانسحاب عليها. بين موقف كاتس وتشخيص برّي، تظهر حقيقة المأزق: لا الاتّفاق امتلك قوّة التنفيذ، ولا السلاح احتفظ بقوّة الردع.

لبنان إذاً ليس غائباً عن السياسة الأميركيّة، بل حاضر بالمقدار الذي يسمح بإدارة أزمته، لا بحلّها. وإلى أن يعود لبنان أولويّة بذاته، أو يدخل في تسوية إقليميّة كبرى، ستبقى الاجتماعات تتحرّك، فيما يتحرّك الإسرائيليّ وحده على الأرض.

جوزفين ديب- اساس

مقالات ذات صلة