🟠التزامن بين جلسة مساءلة الحكومة و”طاولة روما 3″ يثير القلق: هل تتلاقى عوامل التفجير من الداخل والخارج؟

أشرقت شمس 11 ايلول وتكشّفت نتائج تفجير أنفاق علي الطاهر وتردّداته الزلزالية. وكما أسقطت الوقائع السيناريوهات الوهمية، كشفت عن أخرى. ولما تناقضت التوقعات مما هو آتٍ، جاءت رواية الجيش الإسرائيلي أمس عن الانسحاب منها «والتموضع» في «خطوط خلفية في منطقة الشقيف»، لتؤكّد ما قاله وزير الدفاع يسرائيل كاتس قبل أيام، بأنّ آخر العمليات العسكرية سيقود إلى «تمركز تكتي»، قبيل الكشف عن «المنطقة الرمادية». وعليه، برزت المخاوف من التزامن بين موعدي «طاولة روما» و»جلسة مساءلة الحكومة» الأسبوع المقبل، وما يمكن أن يُنتجا من تشنج داخلي وخارجي.
تلاحقت المواقف الصاخبة التي أُطلقت من بيروت وتل أبيب وواشنطن في الأيام الاخيرة، وتشابكت معها التوقعات بنحو يصعب الفصل في ما بينها، لما كشفت عنه من خطوات عسكرية وسياسية وديبلوماسية متداخلة، بطريقة تجاوزت التوقعات المحتملة بين ساعة وأخرى. وهو ما يدفع إلى التريث في قراءة المرحلة المقبلة، والتخلّي عن الرهانات الهمايونية، وعدم التهور في إطلاق أي موقف مما يمكن أن يشهده مسرح العمليات العسكرية، وما يواكبه من جهد لتغليب الخيارات الديبلوماسية والسياسية على العسكرية منها، وحسم السباق بينهما، لصالح المساعي الهادفة إلى خفض التصعيد، في انتظار عبور الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما المتعلقة بالمفاوضات على «مسار واشنطن ـ روما» التي ستُستأنف في الأيام المقبلة قبيل الانتخابات في تل أبيب وواشنطن.
على هذه الخلفيات وما توحي به من تعقيدات، دعت مراجع عسكرية وديبلوماسية إلى الفصل المطلوب بين ما كان متوقعاً من سيناريوهات تنحو إلى السلبية، وانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من اقتراحات ومبادرات، يمكن أن تبعد شبحها عن المدن والقرى اللبنانية المعرّضة لعمليات التجريف والتفجير، شبيهة بتلك التي شهدتها المدن والقرى الجنوبية وصولاً إلى ما جرى في تلال علي الطاهر والمنصوري والقرى التي تشكّل مدخلاً طبيعياً إلى النبطية وصور، والمناطق المرشحة للتوسع، في ظل ظروف التحدّي على الساحتين المتفجرتين في لبنان وإيران بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
وقبل الدخول في أي من التوقعات التي يمكن الإشارة اليها، ينبغي التأكيد أنّه لم يعد هناك رواية خاصة بتلال علي الطاهر سوى الإسرائيلية، بعدما سقطت تلك التي شكّلت السرديات عن قدرة الردع والصمود والمواجهة، وفي ظل صمت طهران و»حزب الله». وجاءت الحملة الإعلامية والدعائية الإسرائيلية التي جنّدت لها وسائل التواصل الاجتماعي وإذاعة الجيش، لتدحض كل الروايات التي بثها قريبون من الحزب، والتي «سخّفت» ما تحت الأرض. وعليه، لم يعد هناك من بدّ سوى اللجوء إلى تلك الرواية المدعومة بالأفلام الوثائقية التي تحدثت عمّا لم يُعلن عنه قبل شهرين من مواجهات مع مسلحين قُتلوا فيها، بعدما كشفت أنّها أنفاق كبيرة وعميقة ومتشعبة في أكثر من اتجاه وتمتد على 5400 متر، ما يعني أنّها كانت تصل إلى أعماق التلال المتجاورة. بدليل انّها احتاجت إلى 1100 طن من المتفجرات لتدميرها وتغيير معالمها فوق الأرض وتحتها. وهو ما تسبّب برصد ترددات زلزالية بقوة 4.1 درجات على مقياس ريختر باعتراف «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية»، وقد شعر بها سكان شمال إسرائيل ولبنان في آن. كما الحقت أضراراً في محيطها بما أدّى إلى قطع التواصل عبر جسر الخردلي مع مجموعة القرى الحدودية، عدا عن الأضرار التي لحقت بممتلكات الناس في الجنوب والبقاعين الغربي والاوسط.
ولهذه الأسباب وما عداها من تفاصيل أخرى، فقد ربطت المراجع بين ما تمّ إنجازه والإعلان المباشر صباح أمس عن انسحاب الجيش الإسرائيلي من تلك المرتفعات والتموضع في خطوط خلفية قريبة من «قلعة الشقيف»، في إشارة أحيت لدى بعض المراقبين ما أعلنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن انسحاب «إسرائيلي تكتيكي» في اتجاه مناطق أخرى، تزامناً مع الحديث عن «المنطقة الرمادية». ولذلك أعاد البعض منهم الربط بين ما يمكن أن يقوم به الجيش الإسرائيلي والدعوة الأميركية العاجلة إلى إحياء مفاوضات روما الثلاثاء المقبل، لاستئناف البحث في ما تسمّيه «الإطار الثلاثي»، وسط إصرار أميركي أُبلغ الى الفريقين اللبناني والإسرائيلي، بأنّ آلية «المناطق النموذجية» ما زالت مرغوبة، لا بل هي الخيار الوحيد المتاح لترتيب عمليات تسليم المناطق المحتلة للجيش اللبناني وإنهاء مظاهر السلاح غير الشرعي.
تزامناً مع هذه التوقعات، قالت مصادر مطلعة على ما رافق التحضيرات لتعزيز الوجود العسكري للجيش في النبطية والقرى الملاصقة لمناطق الاحتلال، للحؤول دون أي توغل جديد، وخصوصاً في اتجاه محوري صور والنبطية، بطريقة كان يؤمل بأنّها باتت على قاب قوسين او أدنى، لمجرد الإعلان عن «المنطقة الرمادية»، التي ستتكون بعد منطقتين نموذجيتين يتسلّمهما الجيش اللبناني في القطاعين الغربي والأوسط، بالطريقة التي اقترحها الجيش اللبناني. فلا تقتصر على مجموعة صغيرة من القرى كما في التجربة الأولى. ولكن ذلك كان متوقعاً قبل أن يُعرب الرئيس نبيه بري أمس بعد الجانب الإسرائيلي، عن تشاؤمه من «عقم الاتصالات» وسقوط «صيغة الإطار»، ليتلاقى في موقفه مع رفض تل أبيب هذه التجربة، بنحو يزرع الشكوك في ما هو متوقع من تطورات سلبية.
ختاماً، وإن طُلب من هؤلاء المراقبين الدخول في التفاصيل، أضافوا أنّ الخشية تنبع من معادلة تقول، إنّ ما هو مضمر في تل أبيب كما في الضاحية الجنوبية وطهران، قد يُبعد أي خطوة إيجابية عن مرمى التوقعات. ذلك انّ دعوة الحزب إلى «تخزين الغضب»، والدعوات التي تُطلق للنزول إلى الشارع تنبئ بالأخطر، وقد تشكّل المناقشات الحادة المتوقعة في جلسة «مساءلة الحكومة» يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، بما يؤدي إلى مزيد من الإحتقان. فكيف إن ترافقت مع ما يمكن أن تواجهه «طاولة روما 3» التي قد تُعقد بالتزامن مع هذه الجلسة، من تعقيدات إسرائيلية تستدعيها معركة نتنياهو الإنتخابية، لتتلاقى عوامل التفجير من الداخل والخارج معاً.
جورج شاهين- الجمهورية



