🔶 الشيعة وسلاح المقاومة: البحث عن ضمانات في زمن التحولات

السلاح وحدود الاطمئنان: ماذا يريد الشيعة في لبنان؟

يعتقد كُثُر أن الشيعة اللبنانيين يقفون اليوم على مفترق طرق، وأن الخيارات المُتاحة أمامهم تضيق كلّما تأخّرت التسوية الإقليمية الدولية بين إيران وأميركا، حيث ينتظرون من تداعياتها المباشرة تعديلاً في موازين القوى «الردعي» مع العدو الإسرائيلي يعيد للمقاومة ألقها ويحفظ تضحيات أهلها، وبينهم من ينتظر أن تحقّق التسوية فرجاً يعيد البريق السياسي الذي وصّفوه لهم على أنه زمن «الشيعية السياسية».

آخرون يرون أن الشيعة يتعرّضون لإطباقين، الأول سياسي فرضته واشنطن والرياض من خلال الاستفراد بإعادة تكوين سلطة سياسية (رئيس جمهورية وحكومة) تلتزم الأجندة المُعدّة لها مُسبقاً، والتي تعمل فقط من أجل محاصرة المقاومة وطنياً وسياسياً وإعلامياً ومالياً وإدارياً. والثاني عسكري تتعهّد به إسرائيل من أجل تدمير البنية التحتية لمجتمع المقاومة من اقتصاد ومال وعمران وعلاقات مع المكوّنات اللبنانية الأخرى، بحيث تنشأ الهوّة المرجوّة بين هذا المجتمع ومقاومته نظراً إلى تداعيات التدمير الوحشي الذي طاول هذا المجتمع في كل لبنان.

أياً تكن النتائج التي ستحملها التسوية الإقليمية الدولية أو مفاعيل الإطباقين السياسي والعسكري على المقاومة ومجتمعها، فالواقع أن الشيعة وإن بدوا ظاهرياً في موقع الدفاع السلبي، القائم على تلقّي الضربات دون الرد أو الردع، لكنهم يحتفظون بقوة سياسية وعسكرية كامنة، يضاف إليها ما هو ناتج من حالة الاحتقان والغضب الشعبي ضد المتآمرين عليهم في الداخل، ما يجعل المعنيين بضرب المقاومة وناسها، يتنبّهون، لأن الانفجار ممكن في أي ظرف مناسب.

انطلاقاً من ذلك، يتوجّب فتح النقاش حول سلاح المقاومة باعتباره صار في مكان ما، سلاحاً للشيعة. ولذلك أسبابه الكثيرة. لكنّ النقاش فرضته وقائع حرب الإسناد للشعب الفلسطيني في غزة، ومن ثم التحوّلات السياسية التي تبعت سقوط النظام السابق في سوريا، وصولاً إلى تبعات حرب الإبادة العسكرية والسياسية التي تتخذ – مع الأسف – طابعاً يجعلها موجّهة ضد الشيعة وما تبقّى من حلفائهم في لبنان. في حين أنه كان بالإمكان أن يتركّز البحث حول الجدوى السياسية لسلاح المقاومة كورقة قوة للدولة كلّ الدولة بمكوّناتها كافة في مسار تثبيت حقوق لبنان السيادية، وكذلك الحاجة إلى الاحتفاظ به كرافد للجيش اللبناني يوفّر الثقة بالقدرة على صدّ الاعتداء، أي اعتداء من أيّ جهة كانت.

عملياً، دفع أداء السلطة ورعاتها في الخارج الشيعة كلّ الشيعة، فيما عدا قلة نادرة لا تحظى بأي شعبية، إلى قناعة باتت راسخة عندهم ومتجذّرة، مفادها أن المقاومة وسلاحها بالأخص باتت ضلعاً أساسياً من مكوّنات مكانتهم في هذا البلد بكل تلاوينها السياسية والتمثيلية والاجتماعية، وهذا يقود إلى توضيح لمن يريد الحوار معهم، بأن الحوار لن يكون مُجدِياً ما لم ينطلق من فهم هذه الخصوصية.

بعض أهل السلطة السُّذَّج ثقافياً وفكرياً وسياسياً، أعطوا لأنفسهم الحق في توصيف هذه الخصوصية من خلال اجتزاء أدبيات سياسية وطنية لمؤسّس المقاومة اللبنانية الإمام القائد السيد موسى الصدر ولمُطلِق حركة «المقاومة المدنية الشاملة» الإمام المفكّر الشيخ محمد مهدي شمس الدين وللمرجع الفقيه والأب الروحي للحركة الإسلامية المقاوِمة السيد محمد حسين فضل الله.

وبناءً على ما ورد آنفاً، ولكي نفتح كُوَّات في الجدران السياسية والإعلامية المرفوعة في الداخل في وجه الشيعة، وحرصاً على المصلحة الوطنية التي تستوجب الحوار والتلاقي بين المكوّنات اللبنانية كافة تلافياً للمزيد من الاصطفافات الحادّة التي يمكن أن تؤدّي إلى ضياع لبنان الكيان، لا بدّ من المصارحة والمكاشفة حول هواجس كل مكوّن في ظل المتغيّرات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة والتي ستطاول تداعياتها إن كانت مزيداً من الحروب أو تسويات ظرفية أو طويلة الأمد، ستطاول لبنان واللبنانيين كافة بلا تمييز بينهم.

لا يتعلّم أركان الحكم من دروس التاريخ، ويصرّون على التزام أجندة الخارج بهدف تحقيق الغلبة على لبنانيين، ويتجاهلون أنّ أيّ تغيير في الظروف سيقود الناس إلى انفجار كبير وإلى الانقلاب على السلطة.

ولذا يكون الاعتقاد الأصح أن لبنان يقف على مفترق طرق وليس الشيعة وحدهم، وإن كان الشيعة الآن هم المُستهدفين في الطليعة، وبالتالي يحقّ لهم التعبير الصريح والواضح عن حدود اطمئنانهم انطلاقاً من تمسّكهم بالسلاح ولكن ليس وحده، بل ومعه التزامهم المساهمة البنّاءة في الدولة، أمّا حدود الاطمئنان التي تقود إلى الانفتاح على البحث في مستقبل سلاح المقاومة فهي:

أولاً: وضع آلية تتضمّن جدولاً زمنياً محدّداً لتطبيق الإصلاحات التي أُقرّت في وثيقة الوفاق الوطني (الطائف)، إضافة الى تشكيل هيئة من الخبراء الدستوريين المُحايدين تقوم بتفسير بعض المواد «المطّاطة» في الدستور والتي جعلت منها بعض الممارسات السياسية أعرافاً تتجاوز الصلاحيات الممنوحة للرئاسات ولمؤسسات الدولة. لأن البديل عن هذه الآلية، يكون من خلال الجلوس إلى طاولة حوار حول صيغة تعاقدية جديدة بين اللبنانيين تؤمّن التوازن الوطني في الحقوق والواجبات كذلك تحقّق مبدأَي العدالة الاجتماعية والمساواة بينهم.

ثانياً: إطلاق حوار ثنائي بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، لوضع جدول زمني أيضاً محدّد لإعادة النازحين السوريين إلى بلدهم، خصوصاً بعدما استتبّ الأمن عندهم، وحيث تشهد بلادهم هجمة استثمارية، مع حديث عن اقتصاد واعد سيؤدّي حكماً إلى تحسّن الظروف المعيشية للسوريين، ويكون هذا الحوار منطلقاً للبحث في أمور تعزيز العلاقات بين البلدين من موقع الندّية وترسيم الحدود البرية والبحرية، كذلك السعي إلى التكامل الاقتصادي بما يحفظ مصالح البلدين.

ثالثاً: إعادة النظر في كل المقاربات السابقة حول ملف اللجوء الفلسطيني في لبنان، بحيث تطلق الدولة ورشة حوار مع القوى والفصائل والفعّاليات الفلسطينية كافة تتناول بشكل أولي ملف سحب السلاح جدّياً لتجنّب تكرار المسرحية التي شهدناها أخيراً، وتثبيت مرجعية الأمن الوطني اللبناني في المخيمات الفلسطينية كافة، على أن ينطلق في الوقت نفسه بحث جدّي في إقرار القوانين واتخاذ القرارات اللازمة التي تؤمّن العيش الكريم للفلسطينيين، وعدم التوقف عند موروثات خاطئة تربط الحقوق المدنية بالتوطين. وهذا أمر ضروري للخروج من حالة الإنكار التي يعيشها بعض اللبنانيين، وهؤلاء يتجاهلون أن «اتفاق الإطار» الذي وقّعته السلطة السياسية مع العدو الإسرائيلي لم يأتِ مُطلقاً على ذكر مسألة اللجوء الفلسطيني في لبنان، وأنه في حال تطبيقه سيُسقِط ما ورد في مقدّمة الدستور أن «لا توطين»!

رابعاً: بناءً على ما سبق، يجب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق الآتي:

– وقف التفاوض المباشر مع العدو ليس بسبب عدم التزامه بأيّ من بنود «اتفاق الإطار»، إنما كون هذا التفاوض غير سيادي لأنه قائم على مبدأ الإكراه، إضافة الى أنه تمّ تقديم تنازلات مجانية مُسبقة تُضعِف الموقف اللبناني الذي كان من المُفترض أن يكون جامعاً لو تمّ احترام الآليات الدستورية التي تُشَرِّع التفاوض.

– دعوة رئيس الجمهورية إلى حوار وطني موسّع يتصدر جدول أعماله التوافق حول إلغاء قرارات الحكومة المتعلقة بالمقاومة في 5 و7 آب عام 2025 و2 آذار عام 2026، كمقدمة لإعادة إطلاق حوار بنّاء بين السلطة والمقاومة حول الاستراتيجية الدفاعية الموعودة، وعلى أساس أن تخلص إلى اعتبار المقاومة عملاً شعبياً دفاعياً في وجه العدوان.

– وضع استراتيجية أمن وطني على المستويات كافة تبرمج الآليات التشريعية والحكومية لتطبيق البنود الآنفة الذكر، انطلاقاً من أن هذا الطرح وإن كان يطمئن الشيعة في لبنان إلا أنه يحمل بشائر خلاص مُستدام لكل اللبنانيين من الحروب والتبعيات والاصطفافات التي دمّرت بلدهم على مدى عقود منذ قيام لبنان الكبير حتى اليوم.

إذا كانت اللحظة السياسية الإقليمية والدولية في اعتقاد البعض في الداخل لا تسمح بإعادة صياغة مشروع وطن قائم على التمسّك بقراره السيادي والسياسي المستقل، وإذا كانت مصلحة هذا البعض بتنفيذ الأجندة الخارجية المفروضة على السلطة، فإن التجارب علّمتنا أن وهم الغلبة على فئة من اللبنانيين بدعم خارجي، سيدفع هذه الفئة إلى العمل على إسقاط هذه الغلبة في حال تغيُّرِ تلك الموازين أو تحيّن فرصة لإسقاطها داخلياً…

 

محمد عبيد (سياسي ومدير عام سابق) – الأخبار

مقالات ذات صلة