🔶الأميركيون يتشددون: التغيير الشامل أو استمرار الدمار…هل ستنجو النبطية؟

تبدو السياسة في واد، وأهلها في واد آخر. يتركز ذلك أكثر عندما تضيع المفاهيم، أو لا تكون محددة بشكل واضح. اعتاد اللبنانيون أن ترتبط السياسة بالسلطة والوجاهة، لا بالمسؤولية، وإن كانت يوماً كذلك، فلا يبدو أنها قابلة للاستمرار أو لأن تعود، حيث لا روض عاطر، ولا نزهة للخاطر. فالمطروح مشروع يتجاوز بمخاطره كل ما سبق، ولا مجال للتعامل معه وفق سياسة إعادة التدوير التي خبرها اللبنانيون وتمرسوا فيها على مدى سنوات. وهذا لا يقتصر فقط على الجانب الأمني أو العسكري، ولا على السجال المفتوح الذي لا ينتهي حول سلاح حزب الله أو أي سلاح آخر، ولم يتجدد فقط بما يتصل بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 أو بما لم يطبق منه، بل يشتمل على كل العناوين والملفات، العسكرية، الأمنية، السياسية، الإدارية، الاقتصادية والمالية، وليس في القطاع العام فقط، بل في كل القطاعات.
وهذا المشروع مرّ بمحطات كثيرة، منذ العام 2017 حيث تبلغت بها الدولة رسمياً، إلى مؤتمر سيدر، إلى الانهيار المالي والاقتصادي وثورة 17 تشرين، وكل ما فرض بعدها من شروط أو فروض، تعامل معها لبنان بسياسية التسويف والالتفاف. مناسبة هذا الكلام، العودة إلى مراكمة التجارب نفسها، من مناقشة الموازنة العامة إلى الحديث عن ضرورة نشر الجيش في الجنوب وما رافقه. والمشكلة أن كلا الطرفين المتناقضين في السياسة يغرقان في الدوامة نفسها، وكل منهم يظن أن لعبته هي التي تنجح ويحقق من خلالها الأرباح ولو كان ذلك بالنقاط. فبالتزامن مع نقاش الموازنة المالية العامة، كان السجال مفتوحاً حول دور الجيش، ووجوب نشره في الجنوب، وكان العسكريون المتقاعدون يقودون تحركات احتجاجية للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية ولحظها في الموازنة.
دخل عنصر جديد على المشهد. ففي ظل الخطر الداهم الذي يتهدد الجنوب والمحافظة الأولى فيه وهي حاضرة جبل عامل، مدينة النبطية، سارع الرؤساء الثلاثة إلى إجراء اتصالات مكثفة لوقف التصعيد الإسرائيلي. جاء الرد بضرورة دخول الجيش إلى المدينة والانتشار فيها والعمل على سحب السلاح، والتأكد من خلوها من المسلحين. تماماً ما كان مطروحاً قبل وبعد اتفاق 27 تشرين، أو ما ذكره القرار 1701، وتماماً كما ورد في “اتفاق المناطق التجريبية” الذي لم يطبق. بنتيجة الاتصالات عمل الجيش على تعزيز دورياته في النبطية، ولكن من دون توجه للدخول إلى أي موقع، ومن دون العمل على التفتيش عن السلاح ومصادرته. ربما أفضت الاتصالات لإعطاء لبنان مهلة أسبوعين ريثما يتدبر أمره.
أثناء ذلك، كان السفير الأميركي ميشال عيسى ينشط على هذا الخط، باعتبار أنه يسعى لمساعدة لبنان وتجنيب النبطية مصيراً مماثلاً لمصير علي الطاهر، لكنه كان يشترط أن يتحرك الجيش سريعاً وبفعالية.
في موازاة ذلك، كانت تصدر صرخات ومواقف سياسية واضحة تدعو الجيش للدخول إلى النبطية وإعلانها منطقة منزوعة السلاح. قاد ذلك معارضون لحزب الله. جاءت تحركات الجيش، التي قابلها الحزب على طريقته الدائمة بالكثير من الدماثة والترحاب، فسريعاً حضرت النسوة لنثر الورود والأرز. والمشهد ليس الأول من نوعه. أشادت النسوة بعمل الجيش ونشاطه. فانقسم المشهد مجدداً بين من يريد تسجيل النقاط. فالحزب يريد الترحيب بالجيش والإصرار على التكامل معه والالتقاء على رؤية موحدة. أما معارضو الحزب فأخرجوا الصور ووزعوها كأنها انتصار لهم، على اعتبار أنَّ أهالي النبطية يريدون الجيش ويرحبون به. وعند هذه التفسيرات المتناقضة، ينتهي المشهد على انقسام جديد ومحاولة لتقاسم الأرباح الافتراضية.
هي مهلة أسبوعين للتجربة أيضاً، من غير المضمون أن يلتزم أحد بها، بينما أدوات اللعبة اللبنانية لا تزال على حالها. ساعات بعد توزيع خبر وصور انتشار الجيش وتسيير دوريات، حتى يصدر بيان عن المؤسسة العسكرية ينفي كل ما سبق، ويشير إلى أنَّ الجيش يحافظ على انتشاره في كل المناطق التي لا يحتلها الجيش الإسرائيلي. عملياً، رد البيان على كل ما قيل، وحتى على كل ما كان يتسرب من أجواء من المقرات الرسمية. بعدها بوقف قصير يخرج رئيس بلدية النبطية ليكشف عن اتصال تلقاه من رئيس الجمهورية اطمأن فيه على أهل المدينة، وقال إنَّ عون أبلغه بانتشار الجيش في المدينة والقضاء.
يتطبع اللبنانيون مع هذه الأحوال والانقسامات، يتمترس كل منهم عند موقفه. غالبيتهم تراهن على مرور الوقت لعلّ الغيمة تنقضي، وآخرون يراهنون على أن يستكمل المشروع نفسه، فلا يكونون بحاجة إلى أي مبادرة لمواجهة “القدر المحتوم”. لكن ما يجري عملياً هو نوع من التعايش مع حالة نكران أو عدم تيقن لما يجري. هنا يمكن للمرء أن يتحول إلى ضفدع في قدر ماء يسخن على درجات منخفضة وببطء لكنه يتوهم أنه يسبح، فلا يجد نفسه إلا محترقاً من الغليان.
بالعودة إلى الكلام المباشر. لم يتخلَّ الأميركيون أو غيرهم من المجتمع العربي أو الدولي عن المشروع الذي طرحوه على لبنان منذ العام 2017. اليوم يتجدد بعنف وقوة وممارسة كل أشكال الضغوط واتخاذ كل أنواع الإجراءات. يعرف اللبنانيون ذلك تماماً، لكنهم إما يراهنون على تمرير الوقت، أو يغرقون في الصراع الداخلي، أو ينتظرون ما يمكن أن تفرزه هذه المعركة الكبيرة من نتائج وكيف ستنعكس على الداخل، ولا يجدون أنفسهم معنيين بالتطلع إلى مسؤوليتهم في الدفاع عن الجنوب أو عن البلد، أو عن أي مؤسسة معرضة للقصف الإسرائيلي أو معرضة للانهيار والتعفن بفعل الأسباب المعروفة داخلياً.
بالمباشر أكثر، وفيما يحاول كثر الحديث عن مفاوضات سرية بين الأميركيين وحزب الله، ويربطونها بالمفاوضات الإيرانية الأميركية، ويصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار أن تفاهماً سيحصل بين الأميركيين والحزب، وبعده ستعود الأمور إلى قواعدها السابقة، فإن كل الوقائع وكل ما تضج به الكواليس المعروفة وغير المعروفة لا تشير إلى ذلك بالمطلق. فأي تسوية مثلاً يعرضها الأميركيون على إيران أم على الحزب، يريدونها أن تكون وفق صيغة علي الطاهر (لا يعني ذلك أن ما جرى في علي الطاهر هو تسوية)، ولكن المقصود أن أميركا أو إسرائيل تريدان تحقيق أهدافهما سواء بالقتال أو باستسلام الطرف المقابل والرضوخ للشروط، وقالها السفير الأميركي بوضوح، نريد من حزب الله أن يسلمنا سلاحه. تماماً كما فعل الإسرائيليون في علي الطاهر، أرادوا السيطرة على المنشأة بغض النظر عن الطريقة، بالحرب والقتال أم بتسوية، أم بتسليمها أو بخروج حزب الله منها، النتيجة التي أرادتها إسرائيل هي السيطرة على التلة.
كل الرسائل التي تُنقل عن لسان الأميركيين إلى حزب الله تصب في هذا الاتجاه. ويذهب الأميركيون أبعد من ذلك في معرض حصارهم المشدد على إيران وعلى حلفائها، وفي ظل الضغوط والعقوبات. وهنا تكشف مصادر متابعة أن الأميركيين عملوا على جرد عدد كبير من الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين، في إطار ملاحقة عملية تمويل إيران والحزب، ويعرضون عليهم تغيير كل طريقة عملهم، وفتح المجال لهم باستكمال العمل، ولكن بشرط أن لا تكون عائدات هذا العمل لصالح إيران أو الحزب، وإلا ستكون هذه الشركات عرضة للعقوبات والإغلاق.
ذلكَ لا ينفصل عن كل الشروط الدولية المفروضة على لبنان في إطار إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو إعادة بناء مؤسسات الدولة وهيكلتها، بشكل لا يتيح لحزب الله أو لإيران الاستفادة منه. وقد تبلغ المسؤولون اللبنانيون مراراً بضرورة تفكيك كل المؤسسات التي يستفيد الحزب منها، سواء كانت مؤسسات تربوية أم صحية أم اجتماعية، والتشدد يبلغ حد منع الدولة اللبنانية من توفير أي خدمات أو مساعدات لمؤسسات الحزب.
ما ينتقل إليه الأميركيون وغيرهم من ضغوط، يصل إلى حد عدد كبير من مؤسسات الدولة، من دون إغفال الضغط المتزايد على الجيش وقيادته، كأن هناك من يفتح دفتر الحساب، على اعتبار أن الحزب استفاد في بناء الكثير من نفوذه انطلاقاً من علاقته وقوتها مع الأجهزة الأمنية والعسكرية. فسابقاً وعندما تعثر مسار حصر السلاح في الجنوب، رُفع إعلان سحب السلاح من بيروت أو جعلها منزوعة السلاح، وهذا لم يُطبق أيضاً. الآن تتجدد الضغوط بشأن إقدام الجيش على تنفيذ خطوات جدية متعلقة بالسلاح. وبحال لم يقدم، فإن الضغوط ستنتقل إلى مستوىً آخر يسميه بعض المتابعين الخارجيين، تغيير الكثير من مراكز القوى وأصحاب القرار والنفوذ داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، في إطار تفكيك طبقات متراكمة من النفوذ الذي بني على مدى سنوات. أمام كل هذه الضغوط، وفي مواجهة هذا المشروع لا يظهر لبنان جدية في مقاربته أو كيفية التعامل معه حتى الآن، بل لا يزال اللبنانيون يبحثون عن نتائج مختلفة على الرغم من اعتمادهم السياسة نفسها والانقسام نفسه.
منير الربيع-المدن



