🟠خطّة “ب” الأميركية بعد سقوط المناطق التجريبيّة!

تتراكم معوّقات تطبيق “اتّفاق الإطار”، وإن بأساليب مختلفة. تصرّ واشنطن على ضرورة الاتّفاق على تفاصيل تطبيق المنطقة التجريبيّة الأولى وتنفيذها كشرط للانتقال إلى مناطق تجريبيّة أخرى. لبنان جالس في ثلّاجة الانتظار، بينما إسرائيل تكمل مشروع إبادتها للجنوب. أمام هذا المشهد يتقدّم معطى حوار “الحزب” والولايات المتّحدة الأميركيّة.

حدّد السفير الأميركيّ ميشال عيسى المواصفات المطلوبة لأيّ حوار مع “الحزب”، قائلاً إنّ أميركا مستعدّة للتفاوض مع “الحزب” “إذا كان عندو شي يقدمو، أمّا نشرب قهوة فمش زابطة”. مع الإشارة إلى أنّ فكرة الحوار الأميركيّ مع “الحزب” انطلقت من تصريح لافت للموفد الأميركيّ السابق إلى لبنان توم بارّاك أثار جدلاً واسعاً، أكّد فيه “أنّنا لا نستطيع أن “نُمَشّي” المفاوضات (بين لبنان وإسرائيل) إلّا إذا عرفنا ماذا سيحصل بين واشنطن وإيران. الوضع هناك يؤثّر على لبنان لأنّ “الحزب” مرتبط مباشرة بالقرارات الإيرانيّة”.

بين بارّاك الذي أراد إجلاس “الحزب” وإيران إلى طاولة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ثمّ تراجع عن كلامه بالقول: “كنت فقط أصف صعوبة المشكلة، و”الحزب” منظّمة إرهابيّة لا نتفاوض معها”، وبين السفير عيسى الذي يجزم أنّنا “نفاوض “الحزب” إذا كان لديه ما يقدّمه لنا”، وقبله الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي أكّد جهوزيّته للحوار مع “الحزب” “إذا طلب منه رئيس الجمهوريّة جوزف عون ذلك”، تأتي التصريحات الأميركيّة لتؤكّد أنّ لبنان، في حسابات الإدارة الأميركيّة، ليس الملفّ الأساس بل “ملحق” ضمن ملفّات النزاع في المنطقة وعلى رأسها الصراع الأميركيّ-الإيرانيّ.

في الآونة الأخيرة سُئل السفير الأميركيّ مراراً عن مصير تلّة عليّ الطاهر، واحتمال شنّ الإسرائيليّ هجوماً عسكريّاً عليها واحتلالها، فأتى الردّ في الخانة نفسها: “لا أعرف، لننتظر، لكنّ المسألة لها أبعادها الإقليميّة، فهناك أيضاً مسألة إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة، والمشاكل بينهما”.

في آخِرة إطلالاته الإعلاميّة قدّم عيسى توضيحاً لأيّ دخول أميركيّ على خطّ “الحزب”: “إذا قرّر “الحزب” يحكي معنا، يعني قرّر يحكي مع الدولة اللبنانيّة التي نتفاوض معها. وإذا أعلن أنّه مستعدّ لتسليم سلاحه، عندها نستطيع أن نجرّب تقريب الآراء بعضها من بعض، ونتكلّم مع “الحزب”. لكن حتّى الآن يرفض “الحزب” الكلام معنا، ومع الدولة اللبنانيّة، ومع إسرائيل، وهو يأخذ أوامره من إيران”.

لا استقالة لكرم

عمليّاً تأتي هذه التصريحات الأميركيّة، على تضاربها، لتأخذ من زخم التشدّد اللبنانيّ الرسميّ في فصل المسارات ورفع شعار “لا أحد يفاوض عن لبنان”، في وقت يكرّر عون أنّ “المفاوضات ليست سهلة، وهناك عراقيل وصعوبات، لكن لا خيار إلّا التفاوض”. في المقابل، تنفي مصادر مطّلعة أيّ نيّة لرئيس الوفد اللبنانيّ السفير سيمون كرم لتقديم استقالته من رئاسة الوفد، لكنّ المفاوضات التقنيّة بين الجانبين قد تتقدّم على المفاوضات السياسيّة.

يواكب لبنان الرسميّ كلّ إشارة تتّصل باحتمال فتح قنوات تواصل “محليّة” بين “الحزب” وواشنطن، وهو الأمر غير المؤكّد حتّى الساعة، ولا مؤشّرات جدّيّة حياله. تدفع الواقعيّة السياسيّة الشديدة أوساطاً مؤيّدة للتفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى اختصار المسألة بالآتي: “إذا كانت واشنطن وطهران لا تزالان، على الرغم من كلّ موجات التوتّر بينهما، تتفاوضان للتوصّل إلى تسوية، فما الحاجة إلى أن تتفاوض واشنطن مع “الحزب”، ربطاً بأنّ الأخير ينتظر ما ستحقّقه المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، وواشنطن بدورها تسلّم بأنّ “الحزب” ورقة إيرانيّة بامتياز؟”.

عون-“الحزب”: تواصل لم ينقطع

في السياق اللبنانيّ، شكّل كلام رئيس الجمهوريّة، خلال مشاركته في إحياء العيد الـ 81 للأمن العامّ، رسالة مباشرة لـ”الحزب” حين تحدّث عن صراع داخليّ، إلى جانب الصراع مع إسرائيل، مع من هم “نقيض الدولة، ويعيشون على ظهر غياب الدولة. ونقول لهم مهما فعلتم نحن مكفّيين”.

وفق المعلومات، لا تزال القنوات التقليديّة بين “الحزب” وبعبدا شغّالة، لكن لا نتيجة حتّى الآن، بل صيانة لخيط تواصل لم ينقطع بعد، خصوصاً في ظلّ تخوين جزء من قيادات “الحزب” للرئيس عون.

أمّا زيارة النائب حسن فضل الله لبعبدا بوصفه المكلّف بملفّ العلاقة مع رئاسة الجمهوريّة فمُستبعدة في الوقت الراهن. الأمر اللافت أنّ السفير الأميركيّ صحّح، خلال أحد تصريحاته، المعلومات التي تحدّثت عن انقطاع التواصل بين “الحزب” وبعبدا، مؤكّداً أنّ “التواصل قائم بشكل مباشر وغير مباشر”.

حتّى موعد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما، المرهون انعقادها بقرار أميركيّ-إسرائيليّ، لا يُتوقّع حصول أيّ خرق على مستوى العلاقة بين بعبدا و”الحزب” أو الأميركيّين و”الحزب”، ولا على مستوى ملفّ المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، ولا تحقيق تقدّم على مستوى اتّفاق الإطار. من جهتها لم تتمكّن الحكومة اللبنانيّة، منذ إصدارها قرارات 5 و7 آب، وصولاً إلى قرار اعتبار سلاح “الحزب” “خارجاً عن القانون” في 2 آذار، من تطبيق مندرجات هذه القرارات، باستثناء حالات فرديّة تُضبط فيها أسلحة عائدة لأشخاص تابعين لـ”الحزب”، ثمّ يتمّ إطلاق سراحهم بعد انقضاء المهلة القانونيّة للتوقيف. الأمر الوحيد المحسوم حتّى الآن مضيّ إسرائيل في فرض أمر واقع جغرافيّ وأمنيّ على الأرض، أثبت مسار الأشهر الماضية أنّ واشنطن غير قادرة على وقفه أو لا تريد.

يقول مصدر مطّلع لـ “أساس: “ترفض إسرائيل بشكل مطلق أيّ صيغة مقترحة للمناطق التجريبيّة، وتفرض شروطاً قاسية جدّاً على لبنان في ما يخصّ آليّة التحقّق، وترفض وجود قوّة أوروبيّة تخلف “اليونيفيل” في جنوب لبنان. وما يعزّز فرص توسيع إسرائيل عدوانها تأكيدُ السفير الأميركيّ في لبنان أنّهم لا يضغطون على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، “إذ لا يمكننا أن نطلب كلّ شيء من إسرائيل، ولا يقدّم “الحزب” شيئاً في المقابل”.

يشير المصدر إلى “احتمال السير بخطّة “ب” في حال سقوط مخطّط المناطق التجريبيّة بشكل كامل، وهو ما يعني تعديلاً جوهريّاً في اتّفاق الإطار، وفي الحالتين جنوب لبنان بات مرتبطاً بشكل وثيق بالاستحقاق الانتخابيّ الإسرائيليّ، أي العوائق الإسرائيليّة نفسها”.

فراغ أمنيّ

بالتأكيد، تشكّل جلسة مجلس الأمن التي انعقدت يوم أمس الجمعة، وتناولت ترتيبات ما بعد نهاية ولاية “اليونيفيل”، نقطة مفصليّة في سياق ترسيم مرحلة ما بعد انتهاء انتداب قوّات الطوارئ الدوليّة نهاية العام الحالي، بعد التمديد الأخير لـ”اليونيفيل”، بموجب القرار 2790، الصادر في آب العام الماضي.

أطلع قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمس رئيس الجمهوريّة على المعطيات “التقنيّة” التي نوقشت مع الجانب الإيطاليّ خلال زيارته الأخيرة لروما، حيث لا تزال إيطاليا تتقدّم لائحة الدول المعنيّة بالترتيبات الأمنيّة في الجنوب في ظلّ الاحتلال الإسرائيليّ للمنطقة العازلة. في هذا السياق يؤكّد مطّلعون أنّ “إسرائيل تضغط باتّجاه الفراغ الأمنيّ الكامل بعد “اليونيفيل”، على أن يكون أيّ وجود أوروبيّ محصوراً بلجان أمنيّة محدودة العدد، وغير عسكريّة”.

ملاك عقيل- اساس

مقالات ذات صلة