🟠حرب الكابلات: هل تستطيع إيران عزل الخليج رقميا؟

أدخلت إيران ورقة جديدة إلى حسابات المواجهة في الخليج، بعدما نقلت مصادر إعلامية بريطانية عن مصدرين رفيعين في طهران أن السلطات الإيرانية درست استهداف كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز إذا اتسع التصعيد. ويكشف الاستهداف في حال حصوله، أن البنية الرقمية الخليجية باتت جزءا من بنك الأهداف المحتملة، إلى جانب الملاحة ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية.

تملك إيران، نظريا، القدرة على تعطيل هذه الكابلات، مستفيدة من انتشارها العسكري ومعرفتها بالمياه المحيطة بالمضيق. كما تكون الكابلات أكثر عرضة للأضرار قرب السواحل وفي المياه الضحلة، ولا يتطلب إتلافها بالضرورة أسلحة متطورة، إذ يمكن أن تتضرر بالمراسي أو المعدات البحرية أو عمليات تخريب محدودة.

وتنبع الخطورة من تقارب مسارات عدد من الكابلات داخل ممر ضيق في المياه العمانية من المضيق. وتشير شركة أبحاث الاتصالات TeleGeography هي مؤسسة أميركية مستقلة متخصصة في جمع بيانات قطاع الاتصالات وتحليلها إلى أن شبكات الكابلات البحرية للاتصالات العاملة حاليا والممتدة عبر مضيق هرمز، تشمل AAE-1و FALCONوGulf Bridge International، ما يجعل إصابة أكثر من كابل في وقت متقارب أمرا ممكنا.

لكن القدرة على قطع كابل أو أكثر لا تعني سهولة عزل دول الخليج. فتحقيق انقطاع واسع وطويل يتطلب ضرب مسارات متعددة، ومنع إصلاحها، وتعطيل البدائل البرية والبحرية في الوقت نفسه. ولذلك يبقى القطع المتعمد سيناريو مرتفع التأثير، لكنه قد يكون أقل احتمالا من الضرر العرضي الناجم عن القتال أو سفينة فاقدة للسيطرة. كما أن ثبوت التخريب قد يستدعي ردا دوليا واسعا، بينما تستطيع طهران تحقيق قدر من الضغط السياسي بمجرد التهديد.

من بطء الإنترنت إلى اضطراب المصارف والمطارات

لن يؤدي تعطل كابل منفرد، في الغالب، إلى توقف الإنترنت، لأن مشغلي الاتصالات يستطيعون تحويل البيانات تلقائيا إلى مسارات أخرى. إلا أن قطع عدة كابلات متقاربة قد يتجاوز السعات الاحتياطية، فيؤدي إلى انخفاض السرعات وارتفاع زمن الاستجابة وحدوث انقطاعات متفاوتة بين دولة وأخرى.

ولن تقتصر النتائج على استخدام الأفراد للإنترنت، بل قد تمتد إلى الخدمات السحابية والتحويلات المصرفية والتجارة الإلكترونية ومنصات الحكومة الرقمية وحجوزات الطيران وعمليات الموانئ وشركات النفط. كما يمكن أن تتضرر مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى اتصال دولي سريع ومستقر.

وتحمل الكابلات البحرية، وفق جمعية الإنترنت (Internet Society – ISOC) وهي منظمة دولية غير ربحية، وتهتم بتطوير الإنترنت المفتوح والآمن والمتاح للجميع، ما بين 97 و98% من حركة البيانات العابرة للقارات، ولذلك لا تستطيع الأقمار الصناعية تعويضها بالكامل. ويمكن للاتصالات الفضائية إبقاء خدمات الطوارئ والجهات الحكومية والمستشفيات والمطارات على اتصال، لكنها أقل سعة وأعلى كلفة من الألياف الضوئية.

وقد يكون إصلاح الضرر أصعب من امتصاص الصدمة الأولى. فسفن الصيانة تحتاج إلى تصاريح وضمانات أمنية، ثم إلى البقاء ثابتة فوق موقع العطل. وتمتلك شركة e-Marine، المسؤولة عن صيانة كابلات المنطقة، خمس سفن، لكن استمرار القتال أو تعذر عبور هرمز قد يحصر أعمال الإصلاح في السفن الموجودة داخل الخليج، ويطيل الأزمة من أسابيع إلى أشهر.

بدائل خليجية قائمة.. والجاهزية لم تختبر علنا

تختلف قدرة دول الخليج على مواجهة السيناريو. تتمتع السعودية بمرونة نسبية لأن معظم سعتها الدولية تمر عبر كابلات تصل إلى ساحلها على البحر الأحمر. كما تملك الإمارات محطات إنزال في الفجيرة على خليج عُمان، خارج الجزء الداخلي من الخليج، فضلا عن وصلات برية مع الدول المجاورة. وتمثل محطات عُمان في مسقط وبركاء وصلالة بوابات مباشرة إلى بحر العرب.

أما قطر والبحرين والكويت فتستطيع تحويل جزء من اتصالاتها إلى شبكات برية عبر السعودية، فيما تملك الكويت مسارا إضافيا عبر العراق. غير أن هذه الوصلات قد لا تستوعب كامل الحركة المنقولة من الكابلات البحرية، كما أنها قد تعبر أكثر من دولة وتواجه مخاطر أمنية وتنظيمية.

وتوجد استعدادات إقليمية تشمل تنويع محطات الإنزال وشراء سعات احتياطية وتوسيع مراكز البيانات. ومن أبرز المشروعات كابل Fibre in Gulf، المصمم لربط سبع دول بسعة تصل إلى 720 تيرابت في الثانية. لكنه يزيد السعة ولا يشكل بديلا جغرافيا كاملا، لأنه يظل داخل البيئة البحرية الخليجية المعرضة للتصعيد.

ولا يقاس الاستعداد بعدد الكابلات المعلنة، بل بوجود سعات احتياطية مفعلة مسبقا، وتجارب ناجحة لتحويل الحركة، وقدرة المصارف والمطارات والخدمات الحكومية على الاستمرار عند فقدان عدة مسارات معا. وهذه تفاصيل لا تفصح عنها الحكومات والمشغلون عادة لأسباب أمنية وتجارية.

لذلك تبدو السعودية والإمارات وعُمان أفضل تموضعا نسبيا، لكن لا توجد أدلة علنية كافية على خطة خليجية مشتركة ومختبرة للقطع المتزامن. ويظل المطلوب شبكة برية عالية السعة بمسارين مستقلين، واتصالات فضائية للطوارئ، وتخزين الخدمات محليا، ومراقبة بحرية للكابلات، وتوزيع سفن الإصلاح على جانبي هرمز. فالضمان الحقيقي ليس امتلاك كابلات أكثر، بل منع مرور جميع البدائل عبر نقطة اختناق واحدة.

شفيق طاهر-المدن

مقالات ذات صلة