🟠دم عيسى في رقبة السلطة اللبنانية: قرار بتسليم اللواء السوري المتقاعد إلى دمشق؟!

قبل يومين، صفَّق مجلس النواب اللبناني لنفسه بحرارة بعد إلغائه عقوبة الإعدام، على اعتبار أنها «خطوة تاريخية» على طريق اعتماده المعايير الدولية لحقوق الإنسان. غير أن الدولة نفسها كانت في هذا الوقت نفسه تستعدّ لتسليم اللواء السوري المتقاعد (من الطائفة العلوية) عادل عيسى إلى دمشق، من دون أي اهتمام باحتمال تعرّضه للتعذيب أو الإعدام «على الهوية». فـ«الحمية» اللبنانية في ما يتعلق بالإنسان وحقوقه انتقائية، والمعايير الحقوقية تتبدّل بحسب هوية الشخص وطائفته والجهة التي يُطلب تسليمه إليها. وهي خطوة ينفّذها المدعي العام التمييزي القاضي أحمد الحاج عن سابق تصوّر وتصميم، في إطار خضوعه المستمر لسلطة الوصاية الأميركية – السعودية وحلفائهما من السلطات الجديدة في سوريا كما سلطة رام الله.
والمفارقة أن الحماسة نفسها كانت، إلى وقت قريب، حاضرة بقوة لدى السفارات الأجنبية والمنظمات الحقوقية، وفي مقدّمها مفوّضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «UNHCR»، التي كانت «تستقتل» لعدم إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم أو تسليم المعارضين السوريين إلى النظام السوري السابق إليه، انطلاقاً من «خطر تعرّضهم للاضطهاد أو التعذيب أو القتل وغيرها من الانتهاكات». تبدو اليوم، أنها تخلّت عن هذه الحماية، عندما أصبح المطلوب سورياً علوياً، وعندما لم يعد النظام الجديد في دمشق متمرّداً على منظومة الهيمنة الأميركية.
ولا تبدو سياسة «الكيل بمكيالين» محصورة بالسلطة اللبنانية أو المنظمات الحقوقية. فبعدما دأب أركان النظام الجديد، في لقاءاتهم مع المسؤولين اللبنانيين، على المطالبة بإعادة النظر في اتفاقيات التعاون والتنسيق الموقّعة بين البلدين، ووقّع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس الحكومة نواف سلام، في تموز الماضي، اتفاقية إنشاء لجنة عليا بين البلدين، عادت دمشق فجأةً إلى اتفاقية التعاون القضائي بين لبنان وسوريا الموقّعة في 27 تشرين الأول 1951، والتي أُلحقت بها اتفاقية ثانية في عام 1997، مستندةً إليهما في طلب استرداد عيسى، الذي سلّمته إلى السلطات اللبنانية مع عيسى نفسه، بعد توقيفه داخل السفارة السورية.
وبالفعل، تبلّغ عيسى بشكل غير رسمي أن النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج وافق على تسليمه إلى دمشق بحجّة «معاهدة الأخوّة» التي ينوي البلدان أصلاً نسفها، علماً أن لبنان موقعٌ على اتفاقيات جنيف التي تمنعه من تسليم المطلوبين الأجانب إلى دولهم، في حال سريان عقوبة الإعدام فيها.
من خاضعٍ إلى آخر
وفي حال قيامه بذلك، سيصبح دم عيسى في رقبة السلطة اللبنانية، فيما سيتحوّل التسليم إلى سابقة ستُكرَّس في كل عمليات توقيف السوريين اللاحقة، ولا سيما المعارضين للنظام الجديد أو المختلفين عنه في الهوية الدينية والمذهبية… ولكن لا ضير مقابل أن يحظى لبنان برضى السعوديين والأميركيين.
ولمحاولة تجنّب مصير التسليم، سيقدّم وكيل الدفاع عن عيسى، المحامي طوني شديد، مطلع الأسبوع المقبل، طلباً لمنحه اللجوء السياسي. إلا أن الطلب سيُرفض غالباً، على اعتبار أن اللجنة المُكلّفة بالموافقة يرأسها وزير العدل عادل نصار (أعضاؤها عدد من المدراء العامين والقضاة). ونصار هو نفسه الذي امتنع عن تسليم الموقوفين السوريين المتهمين بالإرهاب الذين طالبت دمشق بإعادتهم إليها، قبل أن يرضخ للأمر بقرار سياسي، وتحديداً عندما تلقّى رئيس حزبه، النائب سامي الجميل، اتصالاً من الرئيس السوري أحمد الشرع.
وعليه، بات مصير عيسى معروفاً: تسليمه إلى سوريا، بعد الإجراء الشكلي الذي قام به الحاج أمس، وهو استجوابه بالجرائم المنسوبة إليه في الطلب السوري: القتل والمشاركة في مجازر داخل سوريا، علماً أن طلب الاسترداد تضمّن مذكّرة توقيف غيابية سورية صادرة في حقّه في تموز الماضي. غير أن إجابات عيسى، كما الوقائع، تثبت عكس ذلك. فاتهامه بالقيام بمجازر دير الزور حينما كان رئيس اللجنة الأمنية في المنطقة، غير منطقي، على اعتبار أن مسؤوليته كرئيس للجنة لم تتعدَّ 24 ساعة.
كما شدّد عيسى خلال استجوابه على أن دوره خلال الحرب السورية لم يكن أساسياً، لأنه، كما قال، إن أعلى المراكز التي تولاها كانت الفرقة 17، التي تُعد فرقة مشاة ومهمتها تتركّز في الشق التقني ومؤازرة الأجهزة الأمنية، نافياً أن يكون شارك في أي مجزرة أو قتل للسوريين. كما ذكر أنه تقاعد قبل سقوط نظام بشار الأسد، وتحديداً في عام 2020.
ومع ذلك، لم تشفع هذه الإجابات لعيسى، إذ كان القرار السياسي مُعدّاً سلفاً قبل سلوك المسار القانوني: مذكّرة توقيف وجاهية بالجرائم المنسوبة إليه ثم تسليمه، خصوصاً أن هذا الأمر يُعدّ من صلاحية النائب العام التمييزي ولا يحتاج إلى مرسوم أو قرار من الحكومة.
وتشير المعلومات إلى أن الحاج يعمد إلى تحضير ملف عيسى لإحالته إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيداً لتسليمه إلى الأمن العام السوري خلال أيام قليلة.
الاخبار



