🟠«إنّهم صامتون تماماً»: مَن شنّ الحرب على أموال «الحزب»؟

عندما شنّت إسرائيل حربها الأخيرة ضدّ «حزب الله» في آذار، لم تكن الأهداف الأولى التي حذّر الجيش من أنّه سيضربها مستودعات أسلحة أو مراكز قيادة تحت الأرض، بل كانت المصارف. سوَّت الطائرات الحربية الإسرائيلية بالأرض أكثر من 10 فروع لمؤسسة مالية غامضة تُعرف باسم «القرض الحسن»، لطالما اتُّهمت بالعمل كمصرف لـ»حزب الله». وتلت ذلك غارات جوية أخرى على محال صرافة استخدمتها إيران لتحويل الأموال إلى «حزب الله»، وكيلها اللبناني، وعلى محطات وقود كانت تدرّ إيرادات للمجموعة. ومن خلال هذه الضربات، كانت إسرائيل تبعث برسالة واضحة: أموال «حزب الله»، وليس ترسانته فقط، أصبحت في مرمى الاستهداف. وتوّجت عمليات القصف، الحملة الأكثر شراسة حتى الآن من جانب إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحكومة اللبنانية نفسها، بهدف خنق «حزب الله» مالياً، عبر تعطيل قنوات تمويل المجموعة، ولا سيما تلك الآتية من إيران.
وعلى مدى أشهر سبقت الحرب، عملت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط إدارة ترامب، على خنق الطرق التي استخدمتها المجموعة لتلقّي الأموال ونقلها، مثل مطار بيروت. كما ضغطت واشنطن على المصرف المركزي اللبناني لتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي في البلاد، الذي لطالما استغلّه «حزب الله». والآن، يواجه الحزب أشدّ ضائقة اقتصادية له منذ سنوات، وفقاً لوثائق اطلعت عليها «نيويورك تايمز» ومقابلات مع مسؤولين لبنانيّين وأميركيّين وإسرائيليّين وأشخاص من داخل «حزب الله».
وكانت الحرب التي بدأت في آذار هي الثانية خلال أقل من 3 سنوات بين إسرائيل والحزب. وفي النزاع السابق، الذي بدأ في أواخر عام 2023، قتلت إسرائيل زعيم الحزب حسن نصر الله، إلى جانب العديد من الشخصيات البارزة الأخرى في الحركة. واغتنم القادة في واشنطن وإسرائيل تلك اللحظة، إذ شعروا بأنّ «حزب الله» أصبح عرضة للضغط، ونسّقوا جهودهم لتضييق الخناق على تمويله. واستهدفوا الشبكات المالية، التي شكّلت منذ فترة طويلة الأساس لقوّة المجموعة، في وقت صعّدوا فيه أيضاً الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الحزب.
الخنق المالي لـ«حزب الله» جبهة أكثر هدوءاً
وبينما استحوذت الحروب مع «حماس» في غزة وإيران على الاهتمام العالمي، فإنّ الخنق المالي لـ«حزب الله» يمثّل جبهة أكثر هدوءاً، في حملة تقودها واشنطن وإسرائيل، بهدف شل قدرة طهران على بسط نفوذها من خلال ميليشياتها الوكيلة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. ومنذ تأسيسه عام 1982، لطالما شكّل «حزب الله» جوهرة تاج تلك الشبكة.
وتتسمّ الشؤون المالية للمجموعة بالسرّية، ولا يزال الحجم الكامل لتأثير الحملة عليها في عملياتها الواسعة غير واضح. كما أثبت الحزب وإيران قدرتهما على الصمود في مواجهة الجهود الرامية إلى إضعافهما، وتمكّنا من استعادة قوّتهما عسكرياً وإيجاد طرق جديدة لمواصلة تدفق الأموال.
ومع ذلك، يواجه «حزب الله» صعوبات في تمويل شبكة الرعاية الاجتماعية الواسعة التي شكّلت منذ فترة طويلة أساس دعمه بين قاعدته من الشيعة. كما أعطت المجموعة أولوية متزايدة للإنفاق العسكري بعدما ألحقت الهجمات الإسرائيلية أضراراً جسيمة بقدراتها.
وأكّد المتحدّث الرئيسي باسم «حزب الله»، يوسف الزين، لـ«نيويورك تايمز» في أيار، توقف دفعات التعويضات التي كان الحزب قد تعهّد بها لأنصاره، في ظل معاناته لتلبية احتياجات مئات الآلاف من الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحرب.
تمويل إيران للحزب 700 مليون دولار سنوياً
قبل الحرب، قدّرت وزارة الخارجية الأميركية، أنّ تمويل إيران للحزب يبلغ نحو 700 مليون دولار سنوياً، ممّا يوفّر غالبية ميزانية المجموعة السنوية البالغة مليار دولار. وزادَت إيران دعمها المالي للحزب في 2025، وفقاً لمسؤولين لبنانيّين وأميركيّين وإسرائيليّين، لكنّ الأموال لا تزال غير كافية لتغطية نفقات «حزب الله» الكبيرة المرتبطة بالحرب.
وأضاف الزين: «حجم متطلّبات المعركة والنزوح وضعا أعباء كبيرة على «حزب الله». ونتيجة لذلك، تُدار الموارد وفقاً للأولوية. لا شك في وجود ضغوط، لكنّ «حزب الله» قادر على تجاوزها».
الولايات المتحدة تضغط على لبنان للتشدُّد
بدأت الحملة على الشؤون المالية للحزب بشكل جدّي في أواخر عام 2024. وبعد وقت قصير من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، أدّى السقوط المفاجئ لنظام الديكتاتور بشار الأسد في سوريا المجاورة، إلى جعل المجموعة أكثر عزلة عن طهران من أي وقت مضى. فَفَقد الحزب طريق تهريب حيوياً، في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى الأموال لإعادة بناء عملياته والحفاظ عليها.
ولعقود، أشرف «حزب الله» على دولة داخل الدولة اللبنانية، تُطعم أتباعه المخلصين وتؤمّن لهم السكن وتدفع لهم الأموال. وبنى شبكة إعلامية، وأنشأ مستشفيات ومدارس، وحقق إيرادات من محطات الوقود وشركات الأدوية، وجمع ترسانة أكثر قوّة من الجيش اللبناني نفسه بدعم مالي من إيران.
لكن عندما قُطع الطريق البري إلى لبنان عبر سوريا، سارعت إيران إلى البحث عن وسائل أخرى لتمويل الحرب، متجهةً إلى مطار بيروت، الذي كان يعمل منذ سنوات تحت سيطرة الحزب لتلقّي التمويل والأسلحة الإيرانية، وفقاً لمسؤول أميركي ومسؤول لبناني رفيع المستوى أُطلع على الأمر.
لكنّ المسؤولين الأميركيّين والإسرائيليّين كانوا يتعقبون ذلك المسار. وفي أوائل 2025، نقل مسؤولون أميركيّون تحذيراً إسرائيلياً إلى الحكومة اللبنانية، بأنّ إيران ترسل حقائب محشوّة بالدولارات إلى الحزب على متن رحلات مدنية إلى بيروت (وأحياناً يحملها ديبلوماسيون إيرانيون) وفقاً لمسؤولَين لبنانيَّين ومسؤول إسرائيلي. فأدّى التحذير إلى تعليق لبنان جميع الرحلات الجوية من إيران، وهو إجراء لا يزال سارياً.
كما أُبعد موظفون في المطار مرتبطون بـ«حزب الله» من مناصبهم، وعيَّنت السلطات اللبنانية ضباط أمن يعملون بالتنسيق مع مسؤولين أميركيّين، وفقاً لمسؤول أميركي ومسؤولَين لبنانيَّين. وعندما زار علي لاريجاني، رئيس الأمن القومي الإيراني الذي قُتِل لاحقاً، لبنان في آب الماضي، أظهر اجتماعه مع رئيس الوزراء نواف سلام مدى التغيير الذي طرأ داخل البلاد. إذ أكّد سلام بعد الزيارة بفترة قصيرة: «كانت رسالتنا إلى الإيرانيّين واضحة جداً. لا يمكننا السماح للإيرانيّين بالتدخّل في شؤوننا الداخلية. لم يكن هذا الكلام موسيقى تُطرِب آذانهم».
لبنان يشدّد الرقابة على الاقتصاد النقدي
بعد ذلك، حوّلت واشنطن أنظارها إلى المصرف المركزي اللبناني، الذي لطالما عمل بغموض وبقدر ضئيل من الرقابة. ويعمل لبنان في ظل اقتصاد قائم إلى حدٍّ كبير على النقد، وتؤكّد وزارة الخزانة الأميركية أنّ «حزب الله» استغلّه لغسل الأموال غير المشروعة وتحويل الأموال من إيران.
ومع تولّي الحاكم الجديد المدعوم أميركياً منصبه، بدأ المصرف المركزي تحقيقاً في أكبر شركات تحويل الأموال في البلاد، وفي استخدامها المشتبه فيه من جانب «حزب الله» لنقل الأموال، وفقاً لوثائق داخلية والمسؤول الرفيع في المصرف المركزي. ومنذ بدء التحقيق، شدّدت السلطات اللبنانية الرقابة على تحويلات الأموال.
وأوضح براين إي. نيلسون، المسؤول السابق الرفيع في وزارة الخزانة وأشرف على العقوبات المفروضة على الحزب خلال إدارة بايدن، في مقابلة: «كان «حزب الله» قادراً على توليد مبالغ كبيرة من الأموال بشكل مستمر من خلال إساءة استخدام تلك الشبكات».
ووصف المكتب الإعلامي لـ«حزب الله» الادّعاءات بأنّه استغل الاقتصاد اللبناني القائم على النقد، بأنّها «كاذبة ولا أساس لها من الصحة على الإطلاق». ومع خضوع شركات تحويل الأموال الكبيرة لمزيد من التدقيق، واصل الحزب اعتماده بشكل كبير على شبكة أقل خضوعاً للرقابة من شركات الصرافة، التي أصبحت بسرعة القناة الرئيسية التي تموّل إيران من خلالها الحزب، وفقاً لمسؤول إسرائيلي رفيع المستوى في وزارة الدفاع وشخص آخر مطلع على الشؤون المالية لـ«حزب الله». وأضافا أنّ الأموال تنتقل من إيران عبر الإمارات وتركيا والعراق، باستخدام نظام حوالة غير رسمي، لتحويل الأموال من وسيط إلى وسيط من دون أن تعبر الأموال النقدية نفسها الحدود بالضرورة. وعندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على صرّافين لبنانيّين في تشرين الثاني، أعلنت أنّ إيران كانت قد حوَّلت نحو مليار دولار إلى «حزب الله» في 2025، إلى حدّ كبير من خلال نظام الحوالة.
«حزب الله» يشعر بوطأة الضغوط
ومع تسارع وتيرة الحملة، بدأت منظومة الرعاية الاجتماعية التابعة للحزب تُظهر علامات على التراجع. وكشف مسؤولون في الحزب ومستفيدون من خدماته، أنّه في حين لا تزال الرواتب تُدفع إلى حدّ كبير لعشرات الآلاف من مقاتليه، فقد جرى تقليص بعض الخدمات الاجتماعية مع قيام الحزب بترتيب أولويات إنفاقه.
وحاول «حزب الله» جمع الأموال حيثما استطاع. وفي شباط، أي قبل أسابيع من اندلاع الحرب الأخيرة، أعلنت وزارة الخزانة، أنّ مسؤولين كباراً من «القرض الحسن» أنشأوا سلسلة من شركات تجارة الذهب لجمع الأموال. وأظهرت دفاتر حسابات وتقييمات أجراها محلّلون يتابعون الاقتصاد النقدي للحزب، أنّ مبيعات الذهب ارتفعت خلال العام الماضي.
وكان أحد أسباب رغبة «حزب الله» في تحويل الذهب إلى أموال نقدية، هو أنّ الغارات الجوية الإسرائيلية دمّرت جزءاً كبيراً من احتياطياته من العملات الأجنبية والذهب، وفقاً لمسؤولين إسرائيليّين وأميركيّين.
وفي 2025، منع لبنان المصارف وشركات الوساطة من التعامل مع «القرض الحسن»، ما زاد من عزل «حزب الله» عن النظام المالي الرسمي. ويعتمد مئات الآلاف من اللبنانيّين، وكثير منهم من أنصار «حزب الله»، على «القرض الحسن» للحصول على قروض من دون فوائد ودفعات تعويض مرتبطة بالحرب. وتصف المنظمة نفسها بأنّها جمعية إقراض خيرية وليس مصرفاً، ويزعم مديرها أنّ «حزب الله» يحافظ على شؤون مالية تنظيمية منفصلة. ومع ذلك، تضغط إدارة ترامب الآن على الحكومة اللبنانية لإغلاقه بالكامل.
وكشف حسن، سائق الأجرة من الجنوب الذي كانت ابنته متزوِّجة من مقاتل في الحزب وقُتل خلال الحروب الأخيرة، أنّه على رغم من أنّها لا تزال تتلقّى المخصَّص المالي المقرَّر لعائلات المقاتلين الذين قُتلوا، فإنّ المنظمة لم تعُد تغطّي بعض الإجراءات الطبية. ولا يزال ينتظر الدعم المالي الذي وُعد به، مضيفاً: «إنّهم صامتون تماماً». فبعد حرب عام 2024، أعلن «حزب الله» أنّ «القرض الحسن» سيوزِّع مبلغاً يتراوح بين 12 و14 ألف دولار لكل أسرة على العائلات التي دُمّرت منازلها. لكنّ دفعات التعويض، التي تأخَّرت مراراً، أُوقفت الآن بالكامل، وفقاً للزين.
نيويورك تايمز



